محرك البحث اللاديني  المواقع

19‏/09‏/2011

أحاديث عن التنفس في الإناء ثلاثا و الشرب واقفا، إعجاز أم تناقضات؟!

من التناقضات التي تعج بها كتب الحديث هي تلك الأحاديث التي تتعلق بالتنفس في الإناء ثلاثا عند الشرب، حيث نجد تعارضـَين، التعارض الاول ناتج عن تلك الأحاديث التي تتفق أو لا تتفق مع التنفس في الإناء، أما التعارض الثاني فناتج عن الحديث الذي يتفق مع الشرب بعدد مرات يقررها الشخص حسب إرادته (أي الشرب على دفعة واحدة أو أكثر، لا تفضيل الشرب ثلاثا)، ومع كل تلك التناقضات المخجلة في هذه الأحاديث لا يخجل الإسلاميون منها، لكن الأغرب من ذلك بكثير هو ادعاء دعاة الإعجاز العلمي منهم الإعجاز في بعض تلك الأحاديث، وتحديدا في تلك التي تتفق مع الشرب ثلاثا، وفي التي تنهى عن التنفس في الإناء، مع إهمال الأحاديث المخالفة لهاتين المجموعتين من الأحاديث!

نفس الكلام يقال عن زعم الإعجاز في أحاديث نهي نبي الإسلام عن الشرب قائما مثل حديث أنه "نهى أن يشرب الرجل قائما"، وفي لفظ لمسلم "زجر عن الشرب قائما"، مع إهمال الأحاديث المخالفة لذلك. وسأذكر في الموضوع أحاديث تناقض النهي والزجر عن الشرب قائما.

دعاة الإعجاز في كثير من مزاعمهم، ومنها ما يتناوله هذا الموضوع، لا يلوون معطيات العلم فحسب، ولا يكتفون بتحميل النصوص الدينية ما لا تحتمل، بل ويتجاهلون أيضا النصوص الدينية التي تقول بعكس ما زعموا أنه الإعجاز!، أي ثلاثة أكاذيب من ثلاثة أنواع في موضوع واحد!، كذبة على العلم، وكذبة في تأويل النص الديني الذي يذكرونه، وكذبة الإغفال Lying by omission للنص الديني الذي لا يتفق مع غرضهم المسبق!

وسأذكر في هذا الموضوع ما لم يذكروه من النصوص الدينية (الأحاديث) وأوضح تناقضها مع ما ذكروه من الأحاديث وأترك الإعجازيين ليبحثوا عن كذبة رابعة لحل إشكالات التعارض.

وهذه مجرد أمثلة من مجموعة كبيرة جدا من مزاعم الإعجاز في نصوص لها ما يناقضها في نصوص اُخرى يهملها مدّعو الإعجاز، ومنها أحاديث النهي أو الزجر عن الشرب قائما والتي حضرتني وأنا أكتب المقال فذهبت وأشرت إليها في بداية الموضوع وسأذكر هنا أحاديث يتجاهلها دعاة الإعجاز عادة والتي تتفق مع الشرب قائما وتنص على أن ذلك من فعل علي وغيره من أصحاب نبي الإسلام الذي شرب هو الآخر قائما أو كان يشرب قائما حسب أحاديث اُخرى، وكما تقرأون أدناه:

رأيت عليا رضي الله عنه شرب قائما فقلت : تشرب وأنت قائم قال : إن أشرب قائما فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قائما وإن أشرب قاعدا فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قاعدا
الراوي: ميسرة المحدث: أحمد شاكر - المصدر: مسند أحمد - الصفحة أو الرقم: 2/264 خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح

أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب قائما
الراوي: سعد بن أبي وقاص المحدث: الألباني - المصدر: مختصر الشمائل - الصفحة أو الرقم: 184 خلاصة حكم المحدث: صحيح

كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نأكل ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام
الراوي: عبد الله بن عمر المحدث: الألباني - المصدر: صحيح ابن ماجه - الصفحة أو الرقم: 2686 خلاصة حكم المحدث: صحيح

كنا نأكل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نمشي ، ونشرب ونحن قيام
الراوي: عبد الله بن عمر المحدث: الترمذي - المصدر: سنن الترمذي - الصفحة أو الرقم: 1880خلاصة حكم المحدث: صحيح غريب

مثال على هذا الزعم الإعجازي، الموضوع المعنون "النهي عن الشرب و الأكل وافقاً" للدكتور محمد نزار الدقر، والمنشور فيما يدعى بـ "موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة"، الرابط أدناه
http://quran-m.com/firas/farisi/print_details.php?page=show_det&id=174

كما ادعى الدكتور الدقر في نفس الموقع المذكور في موضوعه المعنون "الطب ومكانته في التشريع الإسلام" الإعجاز في "النهي عن الشرب قائما"، وفي "الشرب على ثلاث" الذي سنأتي في هذا الموضوع على ذكر الحديث المناقض له. يقول د. الدقر:
"قواعد الشرب وآدابه التي وصفها محمد ع للشاربين، من النهي عن الشرب واقفاً، والشرب على ثلاث و...، لقد أكد الطب الحديث إعجازها، خاصة وقد أمر بها النبي الأمي ع، الذي لم يصل الطب في زمانه إلى كل هذه المعطيات."

ولنبدأ بذكر بعض الأحاديث عن التنفس في الإناء ثلاثا مصنفة في مجموعتين تضم كل منهما بعض تلك التي يزعم الإعجازيون الإعجاز فيها متبوعة مباشرة بتلك الأحاديث التي تناقضها والتي لم يختر الإعجازيون أن يكون زعم الإعجاز من نصيبها..


أولا: حول زعم الإعجاز في النهي عن التنفس في الإناء

مثال على هذا الزعم الإعجازي: الموضوع المعنون "من الإعجاز العلمي في السنة النبوية - النهي عن التنفس في الإناء" للدكتور زغلول النجار والمنشور في جريدة الأهرام، الرابط أدناه
http://www.ahram.org.eg/Archive/2003/11/21/RAMA10.HTM

وكذلك ذكر حديثَ النهي عن التنفس في الإناء مقالٌ بعنوان "الحكمة العلمية من نهي الرسول عن النفخ في الطعام" في موقع محيط، والذي نقل عنه مقال في جريدة الأهرام وزعم أنه ينقل من "دراسة علمية"، التفاصيل في موضوع النفخ فى الطعام وتهافت المسلمين على الاعجاز العلمي.



من الأحاديث التي تنهى عن التنفس في الإناء (والتي زعم لها الإعجاز)

أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتنفس في الإناء .
الراوي: أبو قتادة الأنصاري الحارث بن ربعي المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 267 خلاصة حكم المحدث: صحيح

نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التنفس في الإناء
الراوي: عبد الله بن عباس المحدث: الألباني - المصدر: صحيح ابن ماجه - الصفحة أو الرقم: 2785 خلاصة حكم المحدث: صحيح

الأحاديث التي تناقضها - حيث تدعوا إلى أو تتفق مع التنفس في الإناء أو في الشراب
(فقد زعموا الإعجاز في النهي عن التنفس في الإناء، وهو خلاف ما تنص عليه الأحاديث أدناه)

"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنفس في الشراب ثلاثا ، ويقول : ( إنه أروى وأبرأ وأمرأ ) . قال أنس : فأنا أتنفس في الشراب ثلاثا . وفي رواية : بمثله . وقال : في الإناء"
الراوي: أنس بن مالك المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2028 خلاصة حكم المحدث: صحيح

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتنفس في الإناء ثلاثا.
الراوي: أنس بن مالك المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2028 خلاصة حكم المحدث: صحيح

كان يتنفس في الإناء ثلاثا وزعم أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتنفس في الإناء ثلاثا
الراوي: أنس بن مالك المحدث: الألباني - المصدر: صحيح ابن ماجه - الصفحة أو الرقم: 2775 خلاصة حكم المحدث: صحيح

ويقرّ الشوكاني في نيل الأوطار - كتاب الأشربة أن الجمهور ذهب إلى معنى آخر (غير المعنى الظاهر من هذه الرواية) وأن روايات اُخرى كانت من بين الأسباب التي جعلت الجمهور يحمل الرواية على معنى آخر، لكنه يذكر أيضا أن "بعضهم" أخذ بالمعنى الظاهر من الرواية. يقول الشوكاني:
"قوله : ( كان يتنفس في الإناء ثلاثا ) حمل بعضهم هذه الرواية على ظاهرها وأنه يقع التنفس في الإناء ثلاثا وقال : فعل ذلك ليبين به جواز ذلك . ومنهم من علل جواز ذلك في حقه عليه الصلاة والسلام بأنه لم يكن يتقذر منه شيء، بل الذي يتقذر من غيره يستطاب منه فإنهم كانوا إذا بزق أو تنخع يدلكون بذلك ، وإذا توضأ اقتتلوا على فضلة وضوئه ، إلى غير ذلك مما في هذا المعنى"
ثم يشير إلى الأحاديث التي لا تتفق مع المعنى الظاهر من الرواية السابقة، فيقول:
"..... وللنهي عن التنفس في الإناء في حديث أبي قتادة . وحديث ابن عباس ولقوله في حديث أبي سعيد "فأبن القدح إذا""

مصدر كلام الشوكاني في نيل الأوطار:
http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?idfrom=2622&idto=2629&bk_no=47&ID=1115

التبرير المذكور أعلاه لمن حمل النص على ظاهره لا يجيب على رواية مسلم أنه قال عن فعله التنفس في الإناء ثلاثا (إنه أروى وأبرأ وأمرأ) وفي هذا دعوة صريحة للإقتداء به، والقرآن يقول "لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة....".
وقد قيل "لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم"، بينما الفقهاء قد اخترعوا قاعدة أن "القول مقدم على الفعل عند التعارض" كإحدى وسائل إخفاء تناقض الروايات، وبذلك برر أيضا بعضهم القول بتحريم الشرب قائما متجاهلين فعل نبي الإسلام لذلك حسب الروايات، وقال جمهور الفقهاء بكراهة الشرب قائما كحل تلفيقي بين روايات شرب النبي للماء قائما وروايات النهي والزجر عن ذلك الفعل، لكن هذا يتعارض مع حديث في مسلم يذكر أن النهي يقتضي التحريم:
"فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم . وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه".. من حديثٍ رواه مسلم
والسؤال هنا هو كيف ينهى نبي الإسلام عن شيء ويأتيه كما تذكر الروايات؟!

ثانيا: حول زعم الإعجاز في الدعوة إلى الشرب ثلاثا (أي على ثلاث دفعات أو ثلاث مَرّات)
مثال على هذا الزعم الإعجازي: اشير إليه في الموضوع المعنون "الطب ومكانته في التشريع الإسلام" للدكتور محمد نزار الدقر كما ذكرتُ آنفا


من الأحاديث التي تدعوا إلى الشرب ثلاثا (والتي زعم لها الإعجاز)

كان إذا شرب تنفس ثلاثا ، وقال : هو أهنأ ، وأمرأ ، وأبرأ
الراوي: أنس بن مالك المحدث: الألباني - المصدر: صحيح أبي داود - الصفحة أو الرقم: 3727 خلاصة حكم المحدث: صحيح

الحديث الذي يناقض ما ورد في الحديث أعلاه حيث لا يدعوا إلى الشرب ثلاثا بل أن يكون الشرب حسب إرادة الشخص (دفعة واحدة أو أكثر)، وكما هو واضح في الحديث أدناه:

"إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء فإذا أراد أن يعود فلينح الإناء ثم ليعد إن كان يريد"
الراوي: أبو هريرة المحدث: الألباني - المصدر: صحيح ابن ماجه - الصفحة أو الرقم: 2784 خلاصة حكم المحدث: صحيح

6 comment(s):

إظهار/إخفاء التعليق(ات)

إرسال تعليق

ملاحظة: يسمح بإعادة النشر بشرط ذكر الرابط المصدر أو إسم الكاتب