محرك البحث اللاديني  المواقع و المدونات

16‏/08‏/2009

أول ما خلق الله ونظريات نشأة الكون

مقدمة
يزعم دعاة الإعجاز العلمي أن القرآن قد أشار إلى نظرية الإنفجار الكبير في الوقت الذي يعترف فيه د. زغلول النجار أنه لا يؤمن بهذه النظرية العلمية لأن العلوم المكتسبة وصلت إلى حقيقة بل لمجرد وجود إشارة لها فى كتاب الله أو في سنة رسوله كما يزعم!.
وقد ناقشت جوابه في موضوع بيان تدليس الدكتور زغلول النجار في لقائه مع منتدى التوحيد وأشرت فيه إلى أن المتدينين على اختلاف أديانهم يؤوّلون هذه النظرية لتتناسب مع نصوص دينهم وكذلك الأسطورة السومرية التي تنص على إبعاد السماء عن الأرض وفصلهما عن بعضهما وهو نفس ما يقوله القرآن وكلاهما لا علاقة له بالإنفجار الكبير لا من قريب ولا من بعيد.

والإنفجار الكبير يشير إلى النظرية السائدة بأن الكون قد بدأ كنقطة لامتناهية في الكثافة والحرارة وتمدد خلال جزء ضئيل جدا من الثانية فنشأ بذلك المكان والزمان والمادة، وخلال مليارات السنين بَرَد الكون مما أدى إلى ظهور المجرات والنجوم والكواكب ولا يزال تمدد الكون مستمرا. هذه النظرية لا تفسر لماذا حدث الإنفجار الكبير ولا تخبرنا هل كان هنالك شيء قبل ذلك الإنفجار أم لا.

وبالرغم من الحكمة المقبولة في علم الكونيات الحديث بأنه لا معنى للسؤال عن ما قبل الإنفجار الكبير وذلك لأن الإنفجار الكبير هو ما يدعوه الفيزيائيون "التفرد" (singularity) وهو اللحظة التي تتوقف عندها قوانين الفيزياء، إلا أن بعض الباحثين في هذا العلم يعتقدون إمكان تمثيل الكون بما يدعى النموذج الدوري Cyclic Model كأن يمر الكون بسلسلة لانهائية من الانفجارات الكبيرة Big Bangs والتقلصات الكبيرة Big Crunches. ووفقا للنموذج الجديد الذي وضعه Steinhardt و Neil Turok فإن كوننا يوجد في غشاء ثلاثي الأبعاد (على اليمين في الصورة أدناه) إلى جانب غشاء لكون آخر غير مرئي لنا ويرتطم هذان الغشاءان ببعضهما البعض كل عدة تريليونات من السنين أو نحو ذلك فتتولد عاصفة نارية من الطاقة مشابهة للإنفجار الكبير. وكما في نموذج الإنفجار الكبير فإن الكون يَبرَد وتتكون المجرات ويتمدد الكون حتى يصل إلى ما يقرب من الفراغ إلا أن النموذج الدوري يفترض عودة الكرّة دوما في تصادمات لاحقة، وبذلك يكون الزمان والمكان لانهائيين.

المصادر: 1 و 2 و 3 .

وسأذكر في هذا الموضوع ما يقترحه الإسلام بخصوص أول شيء خلقه الإله ومدى التعارض بين النصوص الواردة في هذا الباب وبما يبين بعض محاولات التوفيق والتلفيق التي يقوم بها شيوخ الدين بهذا الخصوص.
خلق السماوات والأرض في ستة أيام
ما هو أول شيء خلقه الله حسب أقوال محمد الذي يقدم نفسه كرسول للإله خالق الكون، وما هي يا ترى المعلومات التي قدّمها عن بداية الكون وقد نتوقع هنا اقتراح نظرية أو فرضية ذات علاقة بالموضوع أو على الأقل فكرة مبسطة عن شيء مما قد حصل عند خلق الكون وبما ينسجم مع المعلومات العلمية الحديثة لكي لا يكون للناس على الله حجة بعد تلك الأدلة. فلنبدأ في استعراض نصوص القرآن والسنة.
وهو الذي خلق السماوات والارض في ستة ايام وكان عرشه على الماء ليبلوكم ايكم احسن عملا (هود: 7)
نلحظ في النص القرآني الموضعَ غير المناسب الذي حـُشِرت فيه جملة "وكان عرشه على الماء" والذي يوحي للمرء بأن الله قد استطاع أن "يبلونا" لأن عرشه -ولحسن الحظ- كان على الماء دون أدنى مناسبة بين الأمرين!.

ومن المعلوم أن القرآن قد اقتبس خلق السموات والأرض في ستة أيام من الكتاب المقدس اليهودي، هذا النص الذي يؤوّله كثير من أتباع الديانات الإبراهيمية بمن فيهم المسلمين المتمسكين بحرفية النصوص وذلك تهربا من معناه الذي لا يصح فالأرض علميا لم تتشكل إلا بعد مليارات السنين من نشأة الكون فعمر كوكب الأرض يقدر بـ 4.6 مليار سنة بينما يقدر عمر الكون بـ 14 مليار سنة. المصدر

تختلف مدة اليوم باختلاف سرعة دوران الكوكب حول نفسه ولا يوجد أي كوكب قبل الخلق بالطبع، كما إن مدة اليوم الأرضي ليست قيمة ثابتة بل متغيرة حسب الزمن فتقدر مدة اليوم الأرضي قبل حوالي 370 مليون سنة على سبيل المثال بـ 22 ساعة، كما إن معدل دوران كوكب الأرض حول محوره في حالة تباطؤ مستمر. المصادر 1 و 2 .
ويحاول الدكتور زغلول النجار في مقاله خلق السماوات والأرض في ستة أيام تأويل النصوص القرآنية التي تذكر اختلاف الليل والنهار لتشير بزعمه إلى ذلك التباطؤ وليس الى اختلافهما على الموقع الواحد من الأرض بينما نعلم أن القرآن لم يَعرف اختلاف الليل والنهار في اليوم الواحد نفسه على الأرض حيث قرّر مدة الصيام بقوله "ثم أتموا الصيام إلى الليل" جهلا مِن مؤلفه بحال الليل في مناطق الأرض القريبة من القطبين، وقد بيّنت ذلك بالتفصيل في مقال بيان تدليس الدكتور في هذا الموضع.

أما عن زعمه ذكر القرآن لكروية الأرض فتجدون الرد عليه في موضوع هل الأرض كروية في القرآن وتحديدا بشأن نصوص التكوير والإيلاج ذات الصلة بالليل والنهار في هذا الموضع منه.

القرآن و توسع الكون

يرى الإعجازيون أن النص القرآني والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون (الذاريات: 47) يمثل معجزة، غير أن هذه الدعوى تصطدم بأربع إشكالات وهي:

الإشكال الأول: السماء ليست الكون
السماء لا تعني الكون والقرآن قد عرّف السماء بأنها سقف محفوظ ومرفوع بلا عمد.
من تفسير الطبري للنص القرآني: "والسماء رفعناها سقفا بقوة"
ويقول القرآن: "إذا السماء انفطرت"(الإنفطار: 1) وكذلك: "إذا السماء انشقت" (الإنشقاق: 1) ولو فرضنا جدلا أن لفظ "السماء" يمكن أن يأتي بمعنى "الكون" في القرآن كما يريد الإعجازيون له أن يكون في نص "وإنا لموسعون" فإن الكون حسب القرآن سينفطر ويتشقق في نهاية العالم لا أن يستمر في التوسع !
ودعاة الإعجاز يستخدمون كلمة "السماء" اليوم بمعان عديدة حسب ما ينفع غرضهم المسبق.

وكي لا نطيل في هذا الأمر أحيل القارئ الكريم إلى هذين المقالين عن معنى السماء في القرآن. (وجعلنا السماء سقفا محفوظا، وكذلك السماء في القرآن).

الإشكال الثاني: تعارض توسع الكون مع بناء السماء بقوة
من معجم تاج العروس:
أَيد : آدَ يَئِيدُ أَيْداً، إِذا اشتَدَّ وقَوِيَ، عن أَبي زيد. وقال امرؤ القيس يَصفُ نَخِيلاً:
فأَثَّتْ أَعالِيه وآدَتْ أُصـولُـه ومال بِقُنْيَانٍ من البُسْر أَحمَرَا
آدَت أُصولُه: قَوِيَتْ ....... وفي خُطبة عليّ كرَّمَ اللّه وَجهَه وأَمَسكهَا منْ أَنْ تَمورَ بأَيْدِهِ أَي بقُوَّته. وقوله عزّ وجلّ"واذْكُرْ عَبْدَنَا دَاود ذَا الأَيْدِ" أَي ذا القُوّة.
وتؤكد التفاسير كذلك أن "أيد" تعني "قوة" وقد نقلت تفسير الطبري للنص في النقطة السابقة، وفي تفسير ابن كثير "بأيد أي بقوة" وفي تفسير القرطبي: "ومعنى بأيد أي بقوة وقدرة".
إن توسّع الكون يتعارض مع البناء بقوة فكيف يعطف القرآن تأكيده توسع السماء بقوله "وإنـّا لموسعون" على جملة تقول بـ "بناء السماء بقوة" بينما سيؤدي توسع الكون في حالة استمراره إلى تبعثر الكون واضمحلاله!
The universe continues to expand and in fact is speeding up under the influence of a mysterious energy force. If things keep going this way, the future of the universe looks bleak: Stars will burn out, galaxies will disintegrate, and the universe will end eternally dark and lifeless


الترجمة : يستمر الكون بالتوسّع وفي الحقيقة هو يتسارع بتأثير قوة طاقة غامضة، إذا استمر الأمر على هذا المنوال فإن مستقبل الكون يبدو كئيبا : النجوم سوف تنطفئ، المجرات سوف تتفسخ، والكون سينتهي مظلما وعديم الحياة.
المصدر في مجلة ديسكفر

لا يبدو وصف الوضع الذي سيؤول إليه الكون إن استمر توسّعه مناسبا لعطفه على "بناء السماء بقوة" فهنالك تعارض بين بناء السماء بقوة وبين توسع الكون وليس اتفاقا.
ألا ترون معي ضرورة استبدال "وإنا لموسعون" بـ "لكننا موسعون"؟
الإشكال الثالث: غياب الدليل على استمرار التوسع
يبين موقع ناسا أن علماء الكونيات يتصورون أحد مصيرين للكون، وقد ذكرنا الإحتمال الأول في النقطة السابقة وهو استمرار التوسع، إلا أن هنالك إحتمالا آخر لا يزال قائما وإن كان أقل احتمالا وهو أن تكون هنالك كتلة كافية في الكون لجعل الجاذبية تتمكن في النهاية من مقاومة الزخم الذي يدفع الكون إلى التوسّع ويتحول التوسّع إلى انكماش يستمر -وكما يبين المنحنى البرتقالي اللون في الرسم أدناه- إلى أكثر من عشرة مليارات سنة حتى وصول الحجم النسبي للكون إلى الصفر. ويقول الموقع :
"إن توسع أو إنكماش الكون يعتمد على محتواه وعلى تأريخه السابق. بوجود مادة كافية، سيتباطأ التمدد أو يتحول إلى إنكماش. من جهة اُخرى، تقود الطاقةُ المظلمة الكونَ إلى زيادة معدل التوسع"
المصادر في موقع ناسا
http://map.gsfc.nasa.gov/universe/uni_fate.html

http://map.gsfc.nasa.gov/universe/uni_expansion.html
وقد أشار العالم البريطاني ستيفن هوكنج إلى عدم وجود فهم نظري جيد حتى الآن للظواهر التي تبين تسارع توسع الكون بعد فترة طويلة من تباطؤ ذلك التوسع، وأنه بدون ذلك الفهم لا يمكن التأكد من مستقبل الكون أو الإجابة على الأسئلة التي تظهر في الصورة أدناه:
الترجمة: هل سيستمر الكون بالتمدد إلى الأبد؟ هل التضخم من قوانين الطبيعة؟
أم إن الكون سيتقلص في النهاية؟ المصدر في يوتيوب


يفهم مما سبق أنه بالرغم من زيادة معدل التوسع بسبب الطاقة المظلمة إلا أن احتمال تبدل توسع الكون إلى إنكماش لا يزال ممكن الحدوث

الإشكال الرابع: لكلمة "موسعون" معانٍ وتفاسير اُخرى
من القاموس المحيط: موسعون (أغنياء قادرون)
وقد جمع القرطبي تفاسير كثيرة لهذا النص:
وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ
قَالَ اِبْن عَبَّاس : لَقَادِرُونَ . وَقِيلَ : أَيْ وَإِنَّا لَذُو سَعَة , وَبِخَلْقِهَا وَخَلْق غَيْرهَا لَا يَضِيق عَلَيْنَا شَيْء نُرِيدهُ . وَقِيلَ : أَيْ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ الرِّزْق عَلَى خَلْقنَا . عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا . الْحَسَن : وَإِنَّا لَمُطِيقُونَ . وَعَنْهُ أَيْضًا : وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ الرِّزْق بِالْمَطَرِ . وَقَالَ الضَّحَّاك : أَغْنَيْنَاكُمْ ; دَلِيله : " عَلَى الْمُوسِع قَدَره " [ الْبَقَرَة : 236 ] . وَقَالَ الْقُتَبِيّ : ذُو سَعَة عَلَى خَلْقنَا . وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب . وَقِيلَ : جَعَلْنَا بَيْنهمَا وَبَيْن الْأَرْض سَعَة . الْجَوْهَرِيّ : وَأَوْسَعَ الرَّجُل أَيْ صَارَ ذَا سَعَة وَغِنًى , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ " أَيْ أَغْنِيَاء قَادِرُونَ . فَشَمَلَ جَمِيع الْأَقْوَال
وهكذا نلاحظ أن هنالك إشكالات كثيرة حول ادعاء الاعجاز في هذا النص القرآني.
الفتق ومزاعم ذكر الإنفجار الكبير
يزعم الإعجازيون أن القرآن قد عنى الإنفجار الكبير الذي بدأ به الكون في معرض الحديث عن فتق السماوات والأرض بقوله:
أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون. الأنبياء: 30
إن هؤلاء الإعجازيين لا يستطيعون إخبارنا كيف تخيـّلوا وجود علاقة بين نظرية تحاول وصف نشأة الكون وبين فتق السماء والأرض بينما يخبرنا العلم الحديث أن كوكب الأرض لم يتشكل إلا بعد أكثر من تسعة مليارات سنة من نشأة الكون!
ثم ما معنى سؤال القرآن لكفار قريش عن رؤيتهم لذلك الفتق الذي يفترض الاعجازيون أنه يشير الى الانفجار الكبير؟.
كذلك تناسى الإعجازيون أن هنالك حديثا يذكر الزمن المفترض إسلاميا بين كتابة الإله للمقادير وخلق السماوات والأرض :
كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة .
الراوي: عبدالله بن عمرو بن العاص المحدث: مسلم - المصدر: المسند الصحيح - الصفحة أو الرقم: 2653 خلاصة الدرجة: صحيح
وكما هو واضح من الحديث فإن الكتابة -والتي يجب أن يسبقها خلق القلم- قد حصلت قبل وجود السماوات والأرض أصلا.
ويؤيد هذا حديث أن القلم هو أول ما خلق الله.
إن أول ما خلق الله القلم
رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني
فاستفتوهم أي قلم إلهي كريم هذا الذي كان قبل الإنفجار الكبير؟
وهل من الممكن أن يكون هذا حديث رسول خالق الكون عن نشأة الكون؟ أم إنه خيال بشري بحت؟!.
تناقض أحاديث أول ما خلق الله - القلم أو العرش أو الماء
ذكرنا قول القرآن:

وهو الذي خلق السماوات والارض في ستة ايام وكان عرشه على الماء

ونضيف الآن حديثا ورد في "كتاب بدء الخلق" من صحيح البخاري يخبرنا أنه لم يكن هنالك غير الله:
كان الله ولم يكن شىء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شىء، وخلق السموات والأرض
المصدر في صحيح البخاري
يذكر الحديث والنص القرآني العرشَ دون أن يذكرا متى تم خلقه ومن أين أتت مادته وكيف؟!
كذلك يخبران أن عرش الله كان على الماء بينما قرأنا في المقال الحديث الذي يؤكد أن أول ما خلق الله القلم فماذا خلق الله أولا؟ القلم أم العرش أم الماء؟!.
طبعا لا بد أن نتناسى مؤقتا الإنفجار الكبير والنظريات العلمية الاُخرى فنحن نتحدث هنا عن حقيقة ما يجب على المسلم الإيمان به والتسليم، أما التمسّح بالنظريات العلمية فغرضه تسويق الدين لا غير!
ويؤكد تناقض أولية خلق الماء مع أولية خلق القلم حديث آخر يذكر أن الماء هو أول ما خلق الله:
إن الله تعالى كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا قبل الماء ، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع ، ثم[ أيبس ] الماء فجعله أرضا ، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين ، إلى أن قال : فلما فرغ الله عز وجل من خلق ما أحب ، استوى على العرش.
الراوي: بعض أصحابه صلى الله عليه وسلم المحدث: الألباني - المصدر: مختصر العلو - الصفحة أو الرقم: 54 خلاصة الدرجة: إسناده جيد
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني محاولا التوفيق بين الحديثين السابقين في فتح الباري شرح صحيح البخاري - كتاب بدء الخلق:

وقد روى احمد والترمذي وصححه من حديث ابي رزين العقيلي مرفوعا ‏"‏ان الماء خلق قبل العرش‏"‏ وروى السدي في تفسيره باسانيد متعددة ‏"‏ان الله لم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء"‏ واما ما رواه احمد والترمذي وصححه من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا ‏"‏اول ما خلق الله القلم، ثم قال اكتب، فجرى بما هو كائن الى يوم القيامة"‏ فيجمع بينه وبين ما قبله بان اولية القلم بالنسبة الى ما عدا الماء والعرش او بالنسبة الى ما منه صدر من الكتابة، اي انه قيل له اكتب اول ما خلق
لاحظوا عدم التزام الحافظ ابن حجر العسقلاني بنص الحديث عند وقوع التعارض ليتهرب مما يلزمه هذا التعارض من إعادة النظر في المعيار المتبع في اعتبار صحة الأحاديث في ما يدعونه "علم الحديث" فقد أضاف العسقلاني من عند نفسه "بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش" أو "بالنسبة إلى ما صدر منه الكتابة" وأضيف أنا "بالنسبة إلى أي شيء يحل هذا المأزق الذي أوقعنا فيه تعارض الأحاديث الصحيحة"!

ومما احتج به الفلاسفة على المتكلمين المؤمنين بحدوث العالم هو صفة الخلق لله قبل أن يخلق الحوادث وإشكالية الترجيح بلا مرجح.
يقول ابن تيمية في الصفدية متحدثا عن الفلاسفة :
فإذا كان أصل قولهم أن الصانع هو موجب بالذات وهو علة تامة أزلية مستلزمة لمعلولها لم يتأخر عنها شيء من معلولها فإن العلة التامة هي التي تستلزم معلولها والموجب بالذات هو الذي تكون ذاته مستلزمة لموجبه ومقتضاه فلا يجوز أن يتأخر عنه شيء من موجبه ومعلوله ولهذا قالوا بقدم العالم وهذا أعظم حججهم على قدم العالم قالوا لأن الحادث بعد أن لم يكن لا بد له من سبب حادث وإلا لزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح ثم القول في ذلك السبب الحادث كالقول فيما قبله فيلزم التسلسل الممتنع باتفاق العقلاء.
بإسلوب مبسط، إن اعتراض الفلاسفة هذا على حدوث العالم يتمثل بأنه إذا كان الله قادرا على الخلق في الأزل فلماذا لم يفعل؟ كيف يمكن أن يستجد مرجح في العدم ليكون سببا لبداية الخلق في لحظة ما؟ بمعنى إن العدم لا يوجد فيه شيء ليكون مرجحا لأي لحظة دون غيرها لتكون لحظة بدء الخلق..

لقد شغل هذا السؤال ابن تيمية فاستغل تناقض الأحاديث الواردة بشأن "أول ما خلق الله" ليؤوّلها فيتمكن من الرد على هذا الإعتراض، فماذا كان موقف ابن تيمية من تلك المسألة وكيف استغل هذا التعارض بين الأحاديث للرد على الفلاسفة؟

الجواب على ذلك أن ابن تيمية قد ابتدع رأيا جديدا فذهب إلى أن الحوادث متسلسلة في الأزل تسلسلاً لا أول له.
الظاهر أن ابن تيمية قد وجد نفسه مضطرا لموافقة الفلاسفة في قدم نوع الفعل، وأن الفاعل لم يزل فاعلاً، وأن الحوادث لا أول لها، ويقتضي ذلك أن الله كان دوما مع غيره، أي مع بعض المخلوقات حيث إن سلسلة الحوادث أزلية مع سبق العدم للحوادث عند ابن تيمية بخلاف الفلاسفة الذين اعتقدوا قدم العالم.

ولمحاولة تبرير موقفه من الأحاديث التي أوّلها لأجل ذلك يستدرك ابن تيمية على نبيه في حديث خلق القلم ويدّعي أن القلم ليس أول شيء خلقه الله بل أول شيء خلقه الله مضيفا "مِن هذا العالم".
يقول ابن تيمية:
فهذا القلم خلقه لما أمره بالتقدير المكتوب قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان مخلوقا قبل خلق السموات والأرض، وهو أول ما خلق من هذا العالم، وخلقه بعد العرش كما دلت عليه النصوص. المصدر
لم يخالف ابن تيمية بزعمه أن الحوادث متسلسلة في الأزل تسلسلاً لا أول له سلف المسلمين فحسب، بل خالف حديث "إن أول ما خلق الله القلم" وكذلك الحديث الوارد في البخاري الذي ذكرناه في بداية الموضوع "كان الله ولم يكن شيء غيره".
كما لم يعطنا ابن تيمية أي نص من كتاب ربه وسنة رسوله يدل على وجود أي مخلوق من تلك المخلوقات التي يزعم تعاقبها منذ الأزل!.

هنالك أحاديث اُخرى لكن أكثر المحدّثين يقولون أنها ضعيفة أو موضوعة مثل حديث "أول ما خلق الله العقل" وحديث "أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر" وهذا الأخير يستخدمه بعض الصوفية كوسيلة اُخرى للتوفيق بين الأحاديث المتعارضة في هذا الباب.
ينقل الكتاني تبريرات لتعارض بعض تلك الأحاديث في كتابه (نظم المتناثر من الحديث المتواتر) فيقول:
وأجيب عن التعارض الواقع فيها بأن أولية النور المحمدي حقيقية وغيره إضافية نسبية وأن كل واحد خلق قبل ما هو من جنسه فالعرش قبل الأجسام الكثيفة والعقل قبل الأجسام اللطيفة واليراع أول ما خلق من الأشياء النباتية وهكذا والله سبحانه وتعالى أعلم..
المصدر في نظم المتناثر من الحديث المتواتر


وهكذا نرى أن كل واحد من مشايخ الإسلام مع ادعائهم الإلتزام بالنصوص الدينية وتشنيعهم على من لا يتبعها يخترع للنصوص الدينية تأويلا فيهمل بعض ما تدل عليه تلك النصوص أو يضيف إليها ما ليس منها أو يوفق النص مع مذهبه بما يضمن الرد على المخالفين حتى لو لزم الأمر أن يستدرك على نبيه فيقوّله كلاما لم يقله.

كل ذلك لأنه لم يكن فيهم من يملكون الجرأة والأمانة التي تجعلهم يعترفون بالتعارض الواضح لكثير من الأحاديث التي يدعونها "صحيحة" مع بعضها البعض ومع القرآن ناهيك من تعارض القرآن والسنة في كثير من نصوصهما مع العقل والعلم!

الخلاصة
يمكن إيجاز ما أعطانا إياه القرآن والحديث من "علم" بخصوص "نشأة الكون" بالنص الآتي:
قلم أو عرش أو ماء، وفصل الأرض عن السماء !
هذا ما يطلب المسلمون له "بديلا" ويدّعون له "إعجازا" ولا عزاء لهذه الأمة التي ستبقى الأمم تضحك من جهلها حتى يظهر من أبنائها من يقفون بوجه اولئك الذين خدعوهم فجعلوا منها مدعاة للضحك.

47 تعليق(ات):

إظهار/إخفاء التعليق(ات)

إرسال تعليق

ملاحظة: يسمح بإعادة النشر بشرط ذكر الرابط المصدر أو إسم الكاتب