محرك البحث اللاديني المواقع و المدونات

02‏/06‏/2007

هل الأرض كروية في القرآن؟

مقدمة
رفض عامة رجال الدين المسلمين الفلسفة الاغريقية في بداية دخولها الى الدول الاسلامية في عصر الترجمة أيام العباسيين ثم اتضح للبعض منهم صحتها بعد أن درسوها لغرض نقدها غير أنهم فهموها وتأكدوا من صحة كثير مما ذكرته بالبراهين العقلية فحاولوا اثبات انها لا تخالف القرآن بل وذهب بعضهم بعدها الى محاولة اثبات ان هنالك في القرآن ما يدعم ما ثبت عندهم صحته من الفلسفة والعلوم، غير أنه لم يبلغ الكذب يوما من الأيام عند الاسلاميين ما بلغه في هذا الزمان باختراع ما يسمى بالاعجاز العلمي في القرآن والإدعاء بوجود أكثر أو كل ما اكتشفه العلم حتى اليوم في القرآن منذ اكثر من ألف وأربعمئة عام عن طريق تغيير معاني القرآن رغم أنف اللغة العربية ومعاجمها لتصير دالة على ما أرادوه لمعنى القرآن.

وفي هذا الموضوع سأتطرق الى الآيات التي يدل ظاهرها على تسطيح الأرض وأذكر تفسيرها ومعاني الكلمات من المعاجم العربية للتاكد من صحة التفسير وبعدها أذكر دلائل على ان الفلسفة هي التي علمت شيوخ الاسلام أن الارض كروية وبعد تيقنهم من صحة الفلسفة في ذلك بدأوا يؤولون النصوص التي يدل ظاهرها على أن الأرض مسطحة من أجل التوفيق بين الدين وبين الفلسفة وأقوال من يدعونهم في ذلك الوقت بأهل الهيئة (أي علماء الفلك)، وهذا هو أقصى ما وصل اليه الأقدمون من تدليس أما ما نراه اليوم من ادعاءات الاعجاز العلمي والسبق العلمي القرآني للقول بأن الأرض كروية فلم أجد أحدا من رجال الدين المسلمين السابقين له مثل هذه الجرأة في الكذب على الدين والعلم معا
ولنبدأ بذكر النص القرآني (والى الأرض كيف سطحت) وننقل تفسيرها ثم ننقل معاني الكلمات من المعاجم العربية لنتأكد من صحة التفسير ومطابقته للغة أو عدمه
هل الأرض كروية في القرآن
ولنبدأ بهذا النص القرآني ولنرَ تفسيره
وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ..الغاشية آية 20
تفسير الطبري
وَقَوْله : { وَإِلَى الْأَرْض كَيْف سُطِحَتْ } يَقُول : وَإِلَى الْأَرْض كَيْف بُسِطَتْ , يُقَال : جَبَل مُسَطَّح : إِذَا كَانَ فِي أَعْلَاهُ اِسْتِوَاء . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28703 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَإِلَى الْأَرْض كَيْف سُطِحَتْ } : أَيْ بُسِطَتْ , يَقُول : أَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ هَذَا بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُق مَا أَرَادَ فِي الْجَنَّة

تفسير القرطبي
سُطِحَتْ
أَيْ بُسِطَتْ وَمُدَّتْ

تفسير الجلالين
والى الأرض كيف سُطِحَتْ
أي بُسِطـَت، فيستدلون بها على قدرة الله تعالى ووحدانيته، وصدرت بالإبل أشد ملابسة لها من غيرها، وقوله سُطحت ظاهر في أن الأرض سطح، وعليه علماء الشرع لا كرة كما قاله أهل الهيئة(الفلك) وإن لم ينقص ركنا من أركان الشرع

قلت
وهذا اعتراف صريح بأن لفظ القرآن ظاهر بأن الأرض سطح لا كرة، حيث ان اللفظ سَطح يتضمن معنى الاستواء وهو مخالف للكروية، أما قوله بأن ذلك لم ينقص من أركان الشرع ركنا فيجب أن نفهمه على ضوء الزمان الذي عاش فيه فهذا الكلام كان في القرن التاسع الهجري حيث معلومة كروية الأرض قد اشتهرت كما يذكر هو نفسه عن علماء الهيئة في وقته بل قد تبناه بعض شيوخ الاسلام الذين درسوا الفلسفة قبله بقرون مثل الغزالي المتوفى سنة 505 والذي حذر الناس من رفض تلك اليقينيات لئلا تضر بالشرع فيسهل على الملحدين ابطال الدين

والآن لنر ماذا تقول المعاجم العربية
لسان العرب
سطَح الشيء يسطحهُ سَطْحًا بسطهُ. ومنهُ في سورة الغاشية وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ أي بُسِطَتْ حتى صارت مهادا

المحيط
سَطَحَ يَسْطَحُ سَطْحاً :سطح الشيءَ: بَسَطَهُ وسوّاهُ - وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ

الغني
سَطَحْتُ، أسْطَحُ، اِسْطَحْ، مص. سَطْحٌ. 1. "سَطَحَ البَيْتَ" :سَوَّى سَطْحَهُ. 2."سَطَحَ عَدُوَّهُ أَرْضاً" : طَرَحَهُ أَرْضاً، صَرَعَهُ

الوسيط
(سَطحَهُ)-َ سَطْحًا: بَسَطَهُ وسَوّاه. فهو مَسْطُوحٌ، وسَطِيحٌ. ويقال: سَطَحَ الله الأرضَ. وفي التنزيل العزيز:وإلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ . وسطحَ الخُبْزَ بالمِحْوَر، والثريدةَ في الصَّحْفَةِ. وسطح فلانا: صرعَهُ فبسَطهُ على الأرض. وسطح البيتَ: سوَّى سَطحَهُ
سَطَّحَهُ): سَطَحَه
انْسَطَحَ): انبسطَ

قلت
كما بينت معاجم اللغة ان الفعل (سَطـَحَ) يقتضي الاستواء والبسط، اذا الفعل سُطح يدل ظاهره على التسوية فالسطح لا يدعى كرة أبدا والكرة لا تكون مبسوطة أبدا
ان كلمة (سطح) تقتضي الاستواء وبما أن الحديث عن الأرض ككل وليس على قطعة منها فإن وصفها بذلك يدل ظاهره على ان الأرض سطح عند مؤلف القرآن، غير أن بعض رجال الدين المسلمين ومنذ معرفتهم بكروية الأرض عند دراستهم للفلسفة بدأوا يحملون معنى هذه الآيات على المساحة الصغيرة من الأرض حيث تكون ممهدة للناس وفراشا لهم وصالحة للحياة والتنقل فيها واتخاذ الطرق وأنها لا تعارض حقيقة أن الأرض كرة، كما حاول آخرون تأويل تلك النصوص لتعني في رأي العين فقط كما فعلوا ذلك من قبل مع آية غروب الشمس في عين حمئة
إن شيوخ المسلمين هؤلاء ادركوا ان مدافعة العلم بالقرآن ستكون دلالة قاطعة على كذب القرآن فاشتروا دينهم ببعضه بدل أن يذهب ايمان الناس وذلك بعد أن تبين لهم صدق كثير مما جاءت به الفلسفة وبصورة قطعية
ولنأخذ الآيات الدالة على ان الارض ممدودة:
والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شئ موزون.. ‏سورة الحجر 19
وقوله وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.. الرعد 3
تفسير الطبري
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْض } يَقُول ـ تَعَالَى ذِكْره ـ : وَاَللَّه الَّذِي مَدَّ الْأَرْض , فَبَسَطَهَا طُولًا وَعَرْضًاتفسير القرطبيوَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ
لَمَّا بَيَّنَ آيَات السَّمَاوَات بَيَّنَ آيَات الْأَرْض ; أَيْ بَسَطَ الْأَرْض طُولًا وَعَرْضًا وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِي أَيْ جِبَالًا ثَوَابِت ; وَاحِدهَا رَاسِيَة ; لِأَنَّ الْأَرْض تَرْسُو بِهَا , أَيْ تَثْبُت ; وَالْإِرْسَاء الثُّبُوت ; قَالَ عَنْتَرَة : فَصَبَرْت عَارِفَة لِذَلِكَ حُرَّة تَرْسُو إِذَا نَفْس الْجَبَان تَطَلَّع وَقَالَ جَمِيل : أُحِبّهَا وَاَلَّذِي أَرْسَى قَوَاعِده حُبًّا إِذَا ظَهَرَتْ آيَاته بَطَنَا وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَعَطَاء : أَوَّل جَبَل وُضِعَ عَلَى الْأَرْض أَبُو قُبَيْس. مَسْأَلَة : فِي هَذِهِ الْآيَة رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَرْض كَالْكُرَةِ ثم يقول وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْل الْكِتَاب الْقَوْل بِوُقُوفِ الْأَرْض وَسُكُونهَا وَمَدّهَا , وَأَنَّ حَرَكَتهَا إِنَّمَا تَكُون فِي الْعَادَة بِزَلْزَلَةٍ تُصِيبهَا

قلتهذا رأي القرطبي حيث يصرح بكل وضوح أن النص يعارض القول بأن الأرض كرة وأن أتباع الأديان الثلاثة يقولون بمدها(بسطها) ووقوفها وسكونها
الجلالين
(وهو الذي مدّ) بسط (الأرض وجعل) خلق (فيها رواسي) جبالا ثوابت
والآن ننتقل الى معنى الفعل (مدّ) في المعاجم
المحيط
مدّ اللهُ الأرضَ: بسطها - هُوَ الَّذِي مَدَّ الَأرْضَ وَجَعَل فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهارًاً
محيط المحيط
وقال اللحياني : مدَّ اللهُ الأَرضَ يَمُدُّها مَدًّا بسطها وسَوَّاها . وفي التنزيل العزيز : وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ؛ وفيه : وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا
وفي لسان العرب
ويقال مدَّ اللّه الأرض أي بسطها
كما تجد في القرآن ادلة اخرى على ان الأرض مبسوطة كما في النصوص ادناه:
والأرض وما طحاها.... الشمس 6
لسان العرب:
وفي سورة الشمس وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا أي ومن طحاها. أي بسطها ووسَّعها........ انتهى
وقوله
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا..نوح 19
تفسير القرطبي - أَيْ مَبْسُوطَة
تفسير الجلالين - مبسوطة
وقوله
والأرض بعد ذلك دحاها .... النازعات 30
والفعل (دحا) يعني (بسط) كما سيأتي تفصيله
لكن ما معنى بسط؟
الوسيط
بَسَطَ) الشيءَ-ُ َبَسْطاً: نَشَرَه
القاموس المحيط
بَسَطَه): نَشَرَه
من لسان العرب
بَسَطَ الِثَّوْب والْفِرَاش يَبْسُطُهُ بَسْطًا نَشَرَهُ
ولننظر معنى الفعل (نشر) طالما ان المعاجم ذكرته بيانا لمعنى الفعل (بسط).
من لسان العرب (نـَشَرَ)
والنَشْر عند أهل العربيَّة خلاف الطيّ
وفي لسان العرب (نـَشَرَ) أيضا:
نشر الثوب ونحوهُ نَشْرًا بسطهُ خلاف طواهُ
اذن عندما يقول القرآن ان الله مَـدّ أو دحا أو طحا الأرض "وكلها تعني (بسط)" فلا يمكن ان تكون الارض كروية لأن الارض تحتاج الى الطي لتكون كروية والفعل (بسط) خلاف (طوى) في العربية كما تبين
ردود مشهورة للقائلين بكروية الارض من الإسلاميين
أولا: يقول بعضهم مبررا آيات التسطيح والمد والبسط الواردة في القرآن أننا لكي نفهم آيات التسطيح والمد والبسط لا يمكن أن نختزل البعض دون البعض بل يجب ان نأخذ الآيات كلها والتي تتحدث عن ذات المسألة، والذي يزيل اللبس هو آيتان اخريتان
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً
فالأرض فراش ومهاد وهذا يبين مراد القرآن بوصف الأرض بأنها سطحٌ وبساط، أي ان تسطيحها وبسطها يكفيان لجعلها فراشا ومهادا
ثانيا: ان المقصود من الآية ان الارض سطحت ومدت وبسطت بالنسبة لنا فنحن نراها كذلك ولا يعني هذا ان الارض ككل سطح مبسوط... انتهى
قلت
ان الرأي المتمثل بأن الآيات لا يمكن اختزال بعضها دون البعض الآخر هو احدى محاولات المفسرين للهروب من الاخطاء القرآنية بإعطائها معنى آخر لآيات اخرى، وتوضيح ذلك هو أن التبيين انما يصدق على المجمل الذي لا يفهم معناه او المتردد بين معنيين محتملين لا سبيل الى الجزم بأحدهما، أما اللفظ(سطحت) فهو ليس مجملا ولا يحتاج الى تبيين!
اضف الى ذلك ان الجمع بين الآيات جميعا ممكن فلا تعارض بين كون الأرض سطح وقد خلقها الله على ذلك الشكل لتكون فراشا؟
اما عن النقطة الثانية فالقرآن لم يذكر في كل الآيات الواردة لفظ (لكم) لنقول ان الآية تعني سطح بالنسبة لنا، كما ان أكثرها ينسب فعل البسط والمد والدحو الى الله ضمن سياق الحديث عن خلق الله للأرض وبالتالي لا بد انها تعني الارض ككل وليس جزءا منها كما لا بد أن تعني ان الأرض مبسوطة حقيقةً وليس مجرد اننا نراها كذلك
أمثلة
الى الارض كيف سطحت، وليس- والى الارض كيف سطحت لكم
وهو الذي مد الارض ، وليس- وهو الذي مد الارض لكم
والأرض مددناها، وليس- والأرض مددناها لكم
والأرض وما طحاها، وليس - والأرض وما طحاها لكم
والأرض بعد ذلك دحاها، وليس - والأرض بعد ذلك دحاها لكم
وأضف الى الأدلة على ان الارض سطح مبسوط في القرآن أنه ذكر في قصة ذي القرنين شروق الشمس وغروبها في عين - سورة الكهف 86 و90
ولا بد من الاشارة الى ان القرآن لم يذكر آية واحدة تدل على ان الارض كالكرة رغم كثرة النصوص الدالة على ان الارض سطح ممدود مبسوط
والآن ماهي حجج رجال الدين المسلمين المزعومة على كروية الأرض من القرآن؟
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا.. النازعات 30
الإسلاميون أعادوا اكتشاف هذه الآية في القرن العشرين وقالوا انها تدل على كروية الأرض فلا بد من مناقشتها في هذا الموضوع
قالوا ان دحى تدل على جعل الشيء على هيئة البيضة
ولنحتكم الى المعاجم لنرى صحة ذلك او عدمه
المحيط
دحا الشّيْءَ: بسَطه - وَالارْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا
الغني
دَحَا اللَّهُ الأرْضَ" : بَسَطَهَا. والأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاها -قرآن
دَحَاهَا فَلمّا رآهَـا اسْتَـوَتْ عَلَى الْمَاءِ أرْسَى عَلَيْهَا الجِبالا - ابن بَرِّي
الوسيط
دحا الشيءَ: بسطه ووسعه. يقال: دحا اللهُ الأَرض
الدَّحْيَةُ: القِرْدة
الدِّحْيةُ: رئيس الجُند
القاموس المحيط
دَحَا): الله الأرضَ(يَدْحُوهَا وَيَدْحَاهَا دَحْواً) بَسَطَها
والرَّجُلُ جامَعَ والبَطْنُ عَظُمَ واسْتَرْسَلَ إلى أسْفَلَ
وادْحَوَى) انْبَسَطَ
والأُدْحِيُّ) كَلُجِّيٍّ ويُكْسَرُ
وَالأُدْحِيَّةُ والأُدحُوَّة) مَبِيضُ النَّعامِ في الرَّمْلِ
قلت
اذن الفعل (دحا) الشيء بسطه ووسعه، ودحا الله الأرض أي بسطها ويدل ظاهره على ان الارض منبسطة لا كرة كما يقول الاعجازيون، لكن اعجازيو القرن العشرين هربوا من معنى الفعل حيث لم يجدوا في المعاجم ما ينسب له غير ما ذكرنا وهو بالتأكيد لم يعجبهم فذهبوا يبحثون في الأسماء المشتقة منه، وبعد بحثهم خرجوا علينا بقول عجيب، ألا وهو ان الدحية تعني بيضة النعام مستغبين بذلك كل من أتى قبلهم من فطاحل العربية والتفسير، وكما رأينا في الوسيط فإن (الدَّحْيَةُ : القِرْدة، الدِّحْيةُ: رئيس الجُند) أما الأُدْحِية في المعاجم فهي مبيض النعام كما ورد اعلاه في القاموس المحيط وكما سيرد في لسان العرب، ورغم أن الاسماء المشتقة من الفعل لا تهمنا في شيء فالاشتقاق في العربية يكون من المصدر كما هو معلوم، لكن لا ضير من معرفة سبب تسمية الأُدْحِيَة بهذا الاسم لتتضح الصورة أكثر:

دحا) في لسان العرب
دحا الله الأرض بسطها
ادحوَى الشيءُ إدحواءً انبسط
الأُدْحِيُّ والإِدْحِيُّ مَبِيض النعام في الرمل. وهو أُفْعُول من دحوت لأنها تدحوهُ برجلها ثم تبيض فيهِ وليس للنعام عشٌّ
الأُدْحِيَة والأُدْحُوَّة الأدحيُّ
مَدْحَى النعام موضع بيضها ....انتهى
قلت
اذن، الأُدْحِيُّ والإِدْحِيُّ والأُدْحِيَة والأُدْحُوَّة : مَبِيض النعام في الرمل
وسمي بذلك لأن النعام تدحوه(أي تبسطه) برجلها ثم تبيض فيه
أو كما يقول القرطبي في تفسيره كما سيأتي: لِأَنَّهُ مَبْسُوط عَلَى وَجْه الْأَرْض
وبذلك يظهر حجم التدليس الذي يمارسه الاعجازيون، فالفعل(دحا) يعني بسط والادحية لم تسمَّ بهذا الاسم الا لأن النعام تبسط موضع بيضها قبل أن تبيض فيه وبالتالي فهو توكيد ان معنى الفعل دحا هو (بسط)، بعد هذا كله لن أستغرب اي شيء من الاعجازيين فإن الغاية عندهم تبرر الوسيلة ولو كانوا قد احتاجوا الى جعل معنى الفعل (دحا) مثلا (يعينه رئيسا للجند) أو (ليجعله قردةً) ليثبتوا اعجازهم المزعوم لادعوا ذلك بحجة أن الدِّحية تعني رئيس الجند أو أن الدَّحية تعني قردة
لنقتبس من تفسير القرطبي ما يلي
والأرض بعد ذلك دحاها
أَيْ بَسَطَهَا . وَهَذَا يُشِير إِلَى كَوْن الْأَرْض بَعْد السَّمَاء . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِيهِ فِي أَوَّل " الْبَقَرَة " عِنْد قَوْله تَعَالَى : " هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا , ثُمَّ اِسْتَوَى إِلَى السَّمَاء " [ الْبَقَرَة : 29 ] مُسْتَوْفًى وَالْعَرَب تَقُول : دَحَوْت الشَّيْء أَدْحُوهُ دَحْوًا : إِذَا بَسَطْته . وَيُقَال لِعُشِّ النَّعَامَة أَدْحَى ; لِأَنَّهُ مَبْسُوط عَلَى وَجْه الْأَرْض . وَقَالَ أُمَيَّة بْن أَبِي الصَّلْت : وَبَثَّ الْخَلْق فِيهَا إِذْ دَحَاهَا فَهُمْ قُطَّانُهَا حَتَّى التَّنَادِي وَأَنْشَدَ الْمُبَرِّد : دَحَاهَا فَلَمَّا رَآهَا اِسْتَوَتْ عَلَى الْمَاء أَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالَا وَقِيلَ : دَحَاهَا سَوَّاهَا ; وَمِنْهُ قَوْل زَيْد بْن عَمْرو : وَأَسْلَمْت وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ لَهُ الْأَرْض تَحْمِل صَخْرًا ثِقَالَا دَحَاهَا فَلَمَّا اِسْتَوَتْ شَدَّهَا بِأَيْدٍ وَأَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالَا ...انتهى الاقتباس من القرطبي
وكما رأينا فإن (دحا) تعني بسط وهو وارد في كلام شعراء العرب قبل الاسلام فهل في كلامهم اعجاز علمي هو الآخر وما هو أصل الاعجاز، كلام محمد أم كلام من جاءوا قبله؟
وقد نسي الاعجازيون ان هنالك اشكالا آخر في تلفيق هذا المعنى للفعل (دحا) لأن الآيات التي سبقتها تقول بوجود الليل والنهار وان الدحو حدث بعد ذلك، وبما أن الليل والضحى لا ينتجان الا عن حركة الارض البيضوية الشكل حول نفسها فلا يمكن حدوث الليل والضحى قبل تحقق كروية الارض، وكما في النص أدناه
أأنتم أشد خلقا ام السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها
والسؤال هنا يطرح نفسه، أي ليل وضحى هذا الذي تتكلم عنه الآية ان لم تكن الأرض قد أخذت شكلها الكروي ودارت حول نفسها لتنتج الليل والضحى؟
وهكذا يتبين تدليس الاعجازيين السافر واستغلالهم لثقة الناس البسطاء بهم؟
واحب أن أنقل ما قاله الاستاذ عادل لطيفي والذي ينبه الى استغباء المسلمين لعلمائهم ومفسريهم السابقين واتهامهم بعدم فهم معاني القرآن، حيث يقول:
كنت أدرس في إحدى الدول الخليجية، ووجدت نفسي أقدم درسا في مادة الجغرافيا حول كروية الأرض اعتمادا على الآية القرآنية "والأرض بعد ذلك دحاها"، ويجب تفسير الدحي هنا على أنه مؤشر على كروية الأرض
هذا مثال صارخ على التجني على النص القرآني وعلى التاريخ إضافة إلى استغباء المسلمين الأوائل والمفسرين ثم طلاب اليوم...انتهى
الدليل الثاني من القرآن على كروية الارض حسب رأيهم
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ... الزمر 5.
استدل ابن حزم بهذا النص على أن الأرض كروية في القرآن متجاهلا ذكر المصدر الحقيقي لعلمه ذلك وهو الفلسفة اليونانية التي درسها وعلم كروية الأرض منها ومتجاهلا أيضا كل ما أوردته من نصوص قرآنية يدل ظاهرها على أن الأرض سطح وانها مبسوطة ولنناقش هذا النص القرآني ونبين كيف أنه خطأ علمي
ان الحديث عن تكوير الليل على النهار والعكس وقوله (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل)كما في نص قرآني آخر هو بحد ذاته خطأ علمي، اذ إن ذلك يدل على أنهما شيئان زائدان عن شروق الشمس وغروبها
ومن العجيب أن أكثر كلام الاعجازيين يدور حول اثبات أن الفعل (كوّر) يعني (لفه على جهة الاستدارة) وهو بالفعل واحد من معاني الفعل، لكن هل كلف أحدٌ منهم نفسه قبل ذلك أن يسأل السؤال التالي: هل إن الليل والنهار يتحركان؟
سواء كانت هذه الحركة على جهة الاستدارة أو مستقيمة أو حلزونية أو غيرها من الحركات؟
هلا عرفتم لنا معنى الليل والنهار في القرآن؟
أليس الليل والنهار ناتجان عن دوران الأرض حول نفسها أمام الشمس فتقابل ضوء الشمس فيصير نهارا أو تدابره فيصير ليلا؟
فهل ان النهار مثلا هو الذي يأتينا من جهة الشمس ويدور حول الأرض ليوصل الضوء الى الجهة البعيدة منها عن الشمس، أم ان الارض هي التي تدور فتقابل جهة الشمس أو تدابرها؟
ان الاعجازيين يتجاهلون هذه النقطة المهمة تماما
نعم، لو كان القرآن قد قال (يُكوّرُ الأرضَ على الليل والنهار) كما ذكر ابن عثيمين لكان ذلك دالا على دوران الارض حول الشمس ومتفقا مع العلم الحديث، أي ان الارض تلتف على جهة الاستدارة فيقابل نصف الارض قرص الشمس فيكون نهارا ويدابر النصف الآخر من الأرض قرص الشمس فيكون ليلا، أليس هذا ما يحصل بالفعل أم ان الاعجازيين يرون أن النهار هو من يلتف حول الأرض ليقابل الوجه الآخر البعيد عن الشمس!!!!
وكذلك ابن حزم الذي استدل بهذا النص القرآني على كروية الأرض، فهو وإن تغاضى عن أن الليل والنهار لا يتحركان لكنه كان معتقدا بأن الشمس هي التي تدور حول الأرض حيث ان هذا هو اعتقاد الفلاسفة ورجال الدين جميعا في ذلك الوقت وبذلك اعتبر ابن حزم قدوم النهار من قدوم الشمس حيث يشير كلامه صراحة الى ان النص الذي اعتبره دلالة على كروية الارض هو بنفسه يدل على أن دوران الشمس حول الارض هو سبب تعاقب الليل والنهار، أدناه كلامه :
قال الله عز وجل: (يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل)، وهذا أوضح بيان في تكوير بعضها على بعض، مأخوذ من كور العمامة، وهو إدارتها، وهذا نص على تكوير الأرض ودوران الشمس كذلك، وهي التي منها يكون ضوء النهار بإشراقها، وظلمة الليل بمغيبها، وهي آية النهار بنص القرآن، قال تعالى: (وجعلنا آية النهار مبصرة). المصدر

لكن لسوء حظ الاعجازيين، قد فنـّد العلم الحديث ذلك ايضا وأثبت أن الارض هي التي تدور حول الشمس وأن تعاقب الليل والنهار ينتج عن دوران الأرض حول نفسها، وهذه نكتة لطيفة يجب الانتباه لها
أقوال رجال الدين المسلمين الذين ينفون كروية الأرض
ان مذهب رجال الدين المسلمين الذين لم يدرسوا الفلسفة واكتفوا بالنصوص الدينية كان دوما متمثلا بأن الأرض مبسوطة وقد ذكرنا ما قاله القرطبي في تفسيره بأن الذي عليه المسلمون واهل الكتاب هو مدّ الأرض(بسطها) ووقوفها وسكونها وكذلك ما قاله جلال الدين المحلي في تفسير الجلالين حيث اعترف ان ظاهر نص القرآن يدل على أن الأرض سطح وأن القول بأنها كرة هو قول اهل الهيئة - أي علماء الفلك
ولنأت الى عبد القاهر البغدادي المتوفى في عام 429 هـ حيث لم تكن الفلسفة قد اشتهرت بعد بين رجال الدين المسلمين فتجده يذكر اجماع اهل السنة على نفي كروية الارض وعلى وقوفها وسكونها حيث ذكر قال في كتابه الفرق بين الفرق: ص330
إن أهل السنة أجمعوا على وقوف الأرض وسكونها وأن حركتها إنما تكون بعارض يعرض لها من زلزلة ونحوها
واستدل على بسط الارض في كتابه أصول الدين ص 124 "بمعنى اسم الله الباسط " فقال: لأنه بسط الأرض وسماها بساطاً خلاف زعم الفلاسفة والمنجّمين* أنها كروية.. انتهى
و ذكر أن اهل السنة اجمعوا على ما ينافي كروية الارض فقال :
وأجمعوا على أن الأرض متناهية الأطراف من الجهات كلها
واقول جدلا لمن ادعى تحقق الاجماع على كروية الأرض ونقله عن ابن حزم أن عبد القاهر سابق على ابن حزم فان صح الاجماع الذي ذكره عبد القاهر فلا يجوز وفقا لاصول الفقه ادعاء ابن حزم تحقق اجماع لاحق مخالف
والقول الصحيح الذي أذهب اليه هو أن التحقق من وقوع الاجماع محال أصلا، وهو رأي النظام من المعتزلة
وكان صاحب المواقف الأيجي ضد فكرة كروية الأرض أيضا رغم انه من المتأخرين وقد تطور علم الفلك في زمانه حيث قال:
إن الأرض مبسوطة وأن القول بأنها كرة من زعم الفلاسفة
انظر المواقف في علم الكلام للأيجي: 199، 217، 219. (المصدر في كتاب منهج الأشاعرة في العقيدة)
اضافة الى هذه الادلة على ان الفلسفة هي مصدر معلومة كروية الأرض فإنه لا بد من الاشارة الى ان رجال الدين المسلمين لم يعرفوا علوما لم تعلمها الفلسفة وأخطأوا جميعا في الامور التي اخطأت فيها الفلسفة والنصوص الاسلامية المقدسة مثل ثبوت الأرض فكلا الفريقين من الفلاسفة ورجال الدين المسلمين أجمعوا على ثبوت الأرض وسكونها مع اختلافهم في شكلها اذ ان ذلك كانت ما تنص عليه الفلسفة السائدة في ذلك الوقت وكذلك الأديان فكان خطأ مشتركا بين الدين والفلسفة وبالتالي حُرِم المسلمون المعاصرون من الاشارة الى أحد من علمائهم السابقين يقول بحركة الأرض ودورانها ولذلك السبب (اتفاق الفلسفة والاسلام على خطأ واحد) تأخر اعجاز دين الاسلام في هذه المسألة حتى القرن العشرين حيث ظهر على يد زغلول النجار وغيره من الاعجازيين الذين عجزوا عن ايجاد دليل على حركة الأرض في أقوال السابقين حتى القرن العشرين فاضطروا الى الاعتماد على انفسهم في ذلك اذ ان طبيعة اعجاز القرآن المزعوم عجيبة فهي لا تظهر قبل أن يكتشف الناس ما حاول القرآن التعبير عنه لكن دون جدوى!!!
من أين علم بعض شيوخ الاسلام بكروية الأرض؟
ينقل ابن تيمية عن ابن المنادي قوله ان السماوات مستديرة عند علماء المسلمين، وهذا لا علاقة له بالأرض بل بالاجرام السماوية الاخرى، لكن بعض رجال الدين المسلمين عرفوا كروية الأرض كابن حزم المتوفى سنة 456هـ وابي حامد الغزالي المتوفى سنة 505هـ وابن طفيل ابو الوفاء المتوفى سنة 513هـ ومن أتى بعدهم كالرازي وابن تيمية وابن القيم وابن كثير وغيرهم، لكن السؤال هو: من أين علموا كروية الارض؟، هل علموا ذلك من الفلسفة ام من القرآن؟
والجواب على ذلك ان معلومة كروية الأرض مصدرها الفلاسفة كما ذكرنا حيث انه لا يوجد بين رجال الدين المسلمين الذين لم يدرسوا الفلسفة من قال بكروية الارض الا ان ينقلوه عن من درس الفلسفة من رجال الدين المسلمين الآخرين
واحب ان اشير هنا الى انني اتحدث عن رجال الدين المسلمين، اذ ان هنالك من المسلمين من ذكر قبل رجال الدين كروية الارض وجذبها للثقل وخط الاستواء فيها
ذكر محمد بن أحمد المقدسي المتوفى سنة 375 هـ ذلك كله نقلا عن المنجّمين* لا عن نصوص الدين في كتابه (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم) في باب (ذكر أقاليم العالم ومركز القبلة) حيث قال:
ونحن ننقل منها وعمن لقينا من كبراء المنجّمين* هذا الباب، لأنه علم يحتاج إليه في سمت القبلة ومعرفة مواضع الأقاليم منها. فإني رأيت خلقا قد اختلفوا في القبلة وحولها وتماروا فيها ولو عرفوا الوجه في ذلك ما اختلفوا فيها ولا غيروا ما وضعه الأوائل. فأما الأرض فإنها كالكرة، موضوعة جوف الفلك كالمحة جوف البيضة ...... والأرض جاذبة لما في أيديهم من الثقل، لأن الأرض بمنزلة الحجر الذي يجذب الحديد..... والأرض مقسومة بنصفين بينهما خط الاستواء، وهو من المشرق إلى المغرب، وهذا طول الأرض، وهو أكبر خط في كرة الأرض. كما أن منطقة البروج أكبر خط في الفلك ... انتهى
وقبل المقدسي، ذكر ابن خرداذبة المتوفى سنة 280هـ ذلك كله في مقدمة كتابه (المسالك والممالك) حيث قال:

صفة الأرض أنها مدورة كتدوير الكرّة، موضوعة في جوف الفلك كالمحّة في جوف البيضة، والنسيم حول الأرض، وهو جاذب لها من جميع جوانبها إلى الفلك، وبنية الخلق على الأرض أن النسيم جاذب لما في أبدانهم من الخفة، والأرض جاذبة لما في أبدانهم من الثقل لأن الأرض بمنزلة الحجر الذي يجتذب الحديد، والأرض مقسومة بنصفين بينهما خط الاستواء وهو من المشرق إلى المغرب وهذا طول الأرض وهو أكبر خط في كرّة الأرض كما أن منطقة البروج أكبر خط في الفلك ... انتهى

لكن ابن خرداذبة قد نقل ذلك عن بطليموس حيث يقول في مقدمة الكتاب ذاتها قبل ذكره للكلام عاليه ببضع أسطر متحدثا عن مضمون الكتاب وموضوعه ومصادره:

إيضاح مسالك الأرض وممالكها وصفتها وبعدها وقربها وعامرها وغامرها والمسير بين ذلك منها من مفاوزها وأقاصيها ورسوم طرقها وطسوقها على ما رسمه المتقدمون منها فوجدت بطليموس قد أبان الحدود وأوضح الحجة في صفتها بلغة أعجمية فنقلتها عن لغته باللغة الصحيحة لتقف عليها
المصدر في المسالك والممالك
وهكذا نعلم المصدر الحقيقي لهذه المعلومات وأن لا علاقة لها بالقرآن ولا بالسنة غير ان هذا لم يمنع الاستاذ عبد الرحيم الشريف من نقل ذلك كله في احدى مقالاته في موسوعة الاعجاز العلمي في القرآن والسنة دون الاشارة الى مصدرها الحقيقي وبالرغم من عدم وجود أي علاقة بين مصدر تلك المعلومات وبين القرآن او السنة فضلا عن الاعجاز المزعوم فيهما
ولننتقل الآن الى رجال الدين الذين قالوا بكروية الارض لنعلم مصدر معرفتهم بكروية الأرض ولنبدأ بابن حزم المتوفى سنة 456هـ وهو من أوائل رجال الدين المسلمين الذين قالوا بكروية الأرض حيث اشتغل بالفلسفة وتاثر بها وذهب يحاول التوفيق بينها وبين الدين، ليس في العلوم الطبيعية فحسب بل حتى في مسائل الصفات الالهية، وتذكر الويكيبيديا أنه شرح منطق أرسطو و اعاد صياغة الكثير من المفاهيم الفلسفية و ربما يعتبر أول من قال بالمذهب الاسمي في الفلسفة الذي يلغي مقولة الكليات الأرسطية
المصدر
وقد ذكر ابن تيمية وابن عبد الهادي والالباني عن ابن حزم الظاهري أنه جهمي في الصفات وذكروا ان اشتغاله بالفلسفة والمنطق كان سببا في ذلك
يقول ابن تيمية بعد أن ينتقد عقيدة ابن حزم في الأسماء والصفات
وغلطه في ذلك بسبب أنه أخذ أشياء من أقوال الفلاسفة والمعتزلة عن بعض شيوخه ، ولم يتفق له من يبين له خطأهم ، ونقل المنطق بالإسناد عن متى الترجمان ، وكذلك قالوا: إذا قلنا: موجود وموجود ، وحي وحي لزم التشبيه فهذا أصل غلط هؤلاء. منهاج السنة 2/583، وانظر نحوه في كتاب : الرد على المنطقيين ص131 -132
ويقول ابن تيمية في الصفدية 2/178
ابن حزم ، وهو ممن يعظم الفلاسفة
وفي الفتاوي 9/274: ....وهي الفلسفة الأولى ، والحكمة العليا عندهم وهم يقسمون الوجود إلى: جوهر وعرض .والأعراض يجعلونها تسعة أنواع ، هذا هو الذي ذكره أرسطو وأتباعه يجعلون هذا من جملة المنطق لأن فيه المفردات التي تنتهي إليها الحدود المؤلفة ، وكذلك من سلك سبيلهم ممن صنف في هذا الباب كابن حزم وغيره. المصدر
وقال العلامة ابن عبد الهادي في طبقات علماء الحديث 3/350
وقد طالعت أكثر كتاب " الملل والنحل" لابن حزم ، فرأيته قد ذكر فيه عجائب كثيرة ، ونقول غريبة ، وهو يدل على قوة ذكاء مؤلفه ، وكثرة اطلاعه ، لكن تبين لي أنه جهمي جلد لا يثبت من معاني أسماء الله الحسنى إلا القليل كالخالق ، والحق ، وسائر الأسماء عنده لا تدل على معنى أصلا كالرحيم ، والعليم ، والقدير ، ونحوها ، بل العلم عنده هو: القدرة ، والقدرة هي العلم ، وهما عين الذات ، ولا يدل العلم على معنى زائد على الذات المجردة أصلا ، وهذا عين السفسطة ، والمكابرة .وكان ابن حزم في صغره قد اشتغل في المنطق ، والفلسفة ، وأخذ المنطق عن محمد بن الحسن المذحجي ، وأمعن في ذلك فتقرر في ذهنه بهذا السبب معاني باطلة ، ثم نظر في الكتاب ، والسنة ، ووجد ما فيها من المعاني المخالفة لما تقرر في ذهنه ، فصار في الحقيقة حائرا في تلك المعاني الموجودة في الكتاب ، والسنة ، فروغ في ردها روغان الثعلب ، فتارة يحمل اللفظ على غير معناه اللغوي ، ومرة يحمل ويقول: هذا اللفظ لا معنى له أصلا ، بل هو بمنزلة الأعلام ، وتارة يرد ما ثبت عن المصدوق كرده الحديث المتفق على صحته في إطلاق لفظ الصفات
قلت
وهكذا نعلم كيف صار النص (يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل) عند ابن حزم دالا على كروية الارض فكل همه أن يوفق بين ما درسه من المنطق والفلسفة في صغره وبين النصوص الاسلامية
لقد كان هذا ديدن رجال الدين المسلمين الذين يدرسون الفلسفة لغرض نقدها انتصارا للدين فيدركون قطعية كثير منها مما يخالف الدين فيبدأ الصراع بين النص الديني والفلسفة في عقل الفيلسوف الفقيه، هذا الصراع الذي ينتهي إما بتأويل النص الديني أو برفض جزء من الفلسفة ومحاولة نقده وصولا الى اثبات النص المقدس ، أما بالنسبة للغزالي فقد زاد على ذلك كله اللجوء الى التصوف ليعوض به النقص الذي اصاب ايمانه جراء دراسة الفلسفة ومعرفة يقينيات تخالف النصوص الدينية لذا حَرّم الاشتغال بعلم الكلام والفلسفة على العوام، وقد حذر الغزالي الناس من رفض يقينيات الفلسفة لئلا تضر بالدين فيسهل على الملحدين نقضه كما سيأتي.
فالغزالي درس فلسفة ابن سينا المتوفى سنة 428هـ والتي هي في مجملها أرسطية لينقدها لكنه أدرك صحة كثير منها عند دراستها فتبنى كروية الأرض وعظم حجم الشمس وحقيقة كسوفها وغيرها من العلوم الطبيعية التي علم قطعية صحتها والأمر في هذا أوضح من ان نسهب في شرحه
والظاهر ان ما تعلمه الغزالي من ابن سينا لم يشفع له، فكفره وكفر الفلاسفة في ثلاث مسائل وبدّعهم في عشرين منها
ولنقرأ كلام الغزالي فيما علمه عن كروية الأرض وكسوف الشمس عند دراسته للفلسفة لغرض نقدها واثبات تهافتها فاعتقد ان منه ما هو صحيح قطعا ومن ذلك كروية الأرض وكسوف الشمس وبدأ يحذر الناس من ادعاء تعارضه مع الدين لئلا تضعف ثقة الناس به وذكر أن معارضتها يمكن أن تكون دليلا للملحدين على اثبات خطأ الدين
قال الغزالي في كتاب معيار العلم، ص 2
عرف العقل ـ ببراهين لم يقدر الحس على المنازعة فيها ـ إن قرص الشمس أكبر من كرة الأرض، بأضعاف مضاعفة
وأضاف، ص 51
إن الواقفين على نقطتين متقابلتين من كرة الأرض تتقابل أخمص أقدامهما، ونحن بالضرورة نعلم ذلك.
ومن العجيب حقا أن المسلمين اليوم ينقلون هذه الأقوال كدليل على ان الاسلام هو صاحب الفضل في تلك المعرفة ولا يشيرون الى الفلسفة اليونانية (صاحبة الفضل عليهم في معرفة ذلك) حيث ان الغزالي يقول بوضوح أن العقل هو الذي عرف ذلك بالبراهين وأنه يعرف ذلك بالضرورة، والرجل لم يستدل بآية أو حديث على ذلك كما فعل ابن حزم من قبله
ومن الطبيعي للغزالي الذي درس الفلسفة وصرح بوجوب قبول كثير مما ورد في فلسفة الطبيعيات أن يعلم ما علم بفضل فلسفة الاغريق، فأي فضل للإسلام في ذلك ونصوصه
قال الغزالي في كتاب تهافت الفلاسفة ذاكرا ما يجب ان لا ينكر من الفلسفة والتحذير من ادعاء تعارض اليقينيات من الفلسفة مع الدين موضحا ان ذلك يدل على خطأ الدين لا على خطأ الفلسفة، حيث يقول:-
كقولهم خسوف القمر عبارة عن انمحاء ضوئه بتوسط الأرض بينه وبين الشمس من حيث أنه يقتبس نوره من الشمس والأرض كرة والسماء محيطة بها من الجوانب.
ويقول بعد استعراضه لكيفية حدوث كسوف الشمس في فلسفة الطبيعيات:-
وأن هذه الأمور يقوم عليها براهين هندسية حسابية لا يبقى معها ريبة فمن يطلع إليها ويحقق أدلتها حتى يخبر بسببها عن وقت الكسوف وقدرهما ومدة بقائهما الى الانجلاء إذا قيل له أن هذا على خلاف الشرع لم يسترب فيه وإنما يستريب في الشرع
ثم يقول:
وأعظم ما يفرح به الملحد أن يصرح ناصر الشرع بأن هذا وأمثاله على خلاف الشرع فيسهل عليه طريق إبطال الشرع.. انتهى كلام الغزالي
قلت:
هكذا أسس الغزالي بعد دراسته للفلسفة من اجل نقدها فكرا جديدا يقوم على دراسة الفلسفة والتأكد مما هو يقيني وعدم نقده والا ألحق ذلك الضرر بالدين وكان دليلا قطعيا على بطلان الدين ومخالفته لليقينيات من الفلسفة والعلم، هذا الفكر الذي تبعه كثير من رجال الدين المسلمين فيما بعد كابن تيمية وتلامذته وغيرهم، كما تبعه كثير من الأشاعرة واشتغلوا بالمنطق ودرسوا الفلسفة كالرازي
ولا بأس من نقل بعض أقوال الرازي في تفسيره الكبير "مفاتيح الغيب" حيث تقدم علم الفلك في وقته وقد درس الفلسفة والفلك أيضا فصرح بأن المسألة ثبتت بالدلائل ولا يمكن رفضها حيث قال في تفسيره "ثبت بالدلائل أن الأرض كرة" فكيف يمكن المكابرة فيه؟
كما قال في عدم امكان غروب الشمس في العين الحمئة
كان الذي يقال: إنها تغيب في الطين والحمأة كلاماً على خلاف اليقين وكلام الله تعالى مبرأ عن هذه التهمة، فلم يبق إلا أن يصار إلى التأويل الذي ذكرناه
وهذا القول يبين بصراحة منهجه في تجاوز النصوص بتأويلها لئلا يحدث تصادم مع الدين
وهكذا أسس المتكلمون قاعدة جديدة في التفسير لمن أتى بعدهم فقالوا (إنْ تعارض ظاهر النص مع صريح العقل وجب تأويل النص وصرفه عن ظاهره) حيث كان هذا بديلا ناجعا عن التصريح بأن القرآن اخطأ أو أن السنة المتواترة أخطأت في هذا النص أو ذاك، هذا المنهج في التفكير بدأه المعتزلة وطبقوه على نطاق واسع شمل الذات الالهية والصفات واضطـُهدوا بسبب ذلك من قبل أهل السنة الذين تعلم بعضهم فيما بعد ذلك المنهج وطبقوه على نطاق محدود لم يتعد الى الذات والصفات بل في اختلاف الدين مع العلوم كما في موضوعنا هذا وغيره الكثير، كان ذلك كله بعد ان أكد لهم الغزالي وغيره قطعية ما توصلت اليه فلسفة الطبيعيات في كثير من الامور فأولوا النصوص القرآنية المتعارضة مع العلم مع استمرارهم في ذم المعتزلة والفلاسفة وإنكار فضل فكرهم على المسلمين والذي كان سيطور دولهم لو كان قد استمر ولم يضطهد أتباعه على أيدي المتدينين التقليديين من المذاهب الاخرى الذين ما زالوا يلعنونهم حتى يومنا هذا
ولنأت الآن الى أبي الوفاء المتوفى سنة 513هـ فهو معاصر للغزالي
يذكر الاستاذ عبد الرحيم الشريف في موسوعة الاعجاز العلمي في القرآن والسنة نقلا عن ابن الجوزي في مقدمة كتاب المنتظم:-
قال أبو الوفاء بن عقيل: الأرض على هيئة الكرة على تدوير الفلك، موضعه في جوف الفلك كالمحة في جوف البيضة... الى آخره مما ذكره قبله ابن خرداذبة والمقدسي
المصدر
ورغم ان ابا الوفاء ليس أول من ذكر ذلك لكن لا بأس من معرفة ترجمة أبي الوفاء ابن عقيل:
لنرَ من هو هذا الشخص الذي يتباهى به أهل الموسوعة هذه:-
انه ابن عقيل الإمام العلامة البحر ، شيخ الحنابلة أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادي الظفري ، الحنبلي المتكلم ، صاحب التصانيف ، كان يسكن الظفرية ومسجده بها مشهور، ولد سنة 431هـ وتوفي سنة 513هـ
أخذ علم العقليات عن شيخي الاعتزال أبي علي بن الوليد ، وأبي القاسم بن التبان صاحبي أبي الحسين البصري ، فانحرف عن السنة
قال أبو الوفاء: وكان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء ، وكان ذلك يحرمني علما نافعا
قال ابن الجوزي: كانوا ينهونه عن مجالسة المعتزلة ، ويأبى حتى وقع في حبائلهم ، وتجسر على تأويل النصوص ، نسأل الله السلامة
وفي " تاريخ ابن الأثير " قال : كان قد اشتغل بمذهب المعتزلة في حداثته على ابن الوليد ، فأراد الحنابلة قتله ، فاستجار بباب المراتب عدة سنين ، ثم أظهر التوبة
وقال ابن عقيل في " الفنون " : الأصلح لاعتقاد العوام ظواهر الآي ، لأنهم يأنسون بالإثبات ، فمتى محونا ذلك من قلوبهم ، زالت الحشمة المصدر
قلت:
بالتأكيد ان من يدرس علم العقليات على أيدي عقلاء المعتزلة لا بد أن ينحرف عن السنة اذ لا يمكن الجمع بينهما، اذ إن من يَضِل عن طريق العمى يـُبصر
وهكذا نرى كيف ان من يدعون بالمنحرفين عن السنة والمطلوبين للقتل في تأريخ هذه الامة بسبب دراستهم للفلسفة أو العلوم العقلية عند المعتزلة، تلك العلوم التي نرى اليوم أهل السنة يتباهون بمعرفتهم بها في موسوعة الاعجاز العلمي للقرآن والسنة في الوقت الذي يضللون المعتزلة ويكفرون الفلاسفة في كتب اخرى لدراستهم تلك العلوم، وصدق من قال اذا لم تستح فافعل ماشئت
وفي الوقت الذي اذكر فيه للغزالي اعترافه بقطعية صحة علوم الطبيعيات في كثير مما ذكـَرَته، فإنني ألومه أشد اللوم على عدم حثه الناس على دراسة الفلسفة التي علمته هذه الحقائق بل اختار عوضا عن ذلك تكفير الفلاسفة وتحريم دراسة علم الكلام والفلسفة على عوام الناس حيث ألف كتاب (الجام العوام عن علم الكلام) وذلك حفاظا على ايمانهم بعد ان علم مدى شك الانسان بالدين عند دراسته علم الكلام والفلسفة ومعرفة مدى صعوبة التوفيق بينها وبين الدين
كان هذا بيانا لحقيقة ما ذكره القرآن مما ينافي ظاهره كروية الأرض وتحقيقا للأدلة المزعومة على كرويتها من القرآن وعن نسبة بعض رجال الدين المسلمين ما تعلموه من علوم الفلسفة اليونانية الى نصوص القرآن وذلك عند دراستهم للفلسفة من اجل نقدها فتأثروا بكثير مما ذكرته بعد اطلاعهم على حقائق دامغة فيها فحاولوا التوفيق بينها وبين الدين ثم بدأوا يحاولون ايجاد ما قد يدل عليه من القرآن حتى تطور هذا الفن من التدليس الى ما يسمى اليوم بالإعجاز العلمي في القرآن والسنة

-----------------------
* المُنجِّم والمتنجِّم الذي ينظر في النجوم بحسب مواقيتها وسيرها. والمَنجّم أيضًا صاحب علم النجوْم (من معجم لسان العرب).

36 تعليق(ات):

إظهار/إخفاء التعليق(ات)

إرسال تعليق

ملاحظة: يسمح بإعادة النشر بشرط ذكر الرابط المصدر أو إسم الكاتب