محرك البحث اللاديني

24‏/02‏/2018

من إشكاليات المحاولات الخجولة لإصلاح الإسلام

نرى بين الحين والآخر محاولات فردية بسيطة لبعض المسلمين لمعالجة شيء من عدوانية الفهم التقليدي للإسلام والذي ما زال سائدا حتى اليوم. وبالرغم من تأييدي للإصلاح الديني إلا أن في هذه المحاولات الكثير من اللاموضوعية والازدواجية في التعامل مع النصوص كما أنها تسعى عادة إلى إلقاء اللوم كله على الشيوخ المسلمين والأحاديث مع تبرئة القرآن من أي دعوة للإرهاب أو العنف غير المبرر. نلخص هنا بعض أهم الإشكاليات في تلك الاطروحات:

أولا: نصوص قرآنية صريحة في الدعوة إلى الكراهية وقتال غير المؤمنين لأسباب دينية

يشير بعض المسلمين إلى نصوص تقبل بالحرية الدينية والسلام مثل:

1- لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحبّ المقسطين (الممتحنة/ 8)
 (ملاحظة: هذا النص يفترض أن الله سيبقى يحب المقسطين مع من لم يعتدِ على المسلمين)

2- وقوله: اُذن للذين يقاتلون بأنّهم ظلموا وإنّ الله على نصرهم لقدير، الذين اخرجوا من ديارهم بغير حقّ...(الحج/ 39-40)
(ملاحظة: الإذن هنا بالقتال معلل بكونهم قد ظـُلِموا ولو كان القتال دون وقوع ظلم صحيحا لما صح هذا التعليل)

3- قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحبّ المعتدين (البقرة/ 190)

4- لا إكراه في الدين (البقرة 265)

لكن من جهة ثانية هناك نصوص تدعوا إلى الكراهية والقتال بعضها يذكر غرضا دينيا للقتال صراحة أو يضع شروطا دينية ومالية لوقف الحرب مثل:

1- فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلّ مرصد فإن تابوا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة فخلّوا سبيلهم (التوبة /5)
(ملاحظة: ربط تخلية السبيل بأُمور دينية كإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هو دلالة على أن الحرب لغرض ديني لا لدفع الظلم)

2- وقوله: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحقّ من الذين أُوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (التوبة/ 29)
(ملاحظة: الأمر بالقتال هنا عام ضد غير المسلمين حتى لو لم يقاتلوا المسلمين ولم يخرجوهم من ديارهم. وطبعا لو كان الغرض من الحرب دفع الضرر فقط فلا معنى من فرض الصغار على غير المسلمين)

3- وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين (التوبة/ 36)

4- إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
حتى قوله: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (التوبة/111، 113-114).

وأيضا قوله في الأنفال:
5- وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة ويكون الدّين كلّه لله فإن انتهوا فإنّ الله بما يعملون بصير (الأنفال/ 39).
(ملاحظة: تعليل دعوة المسلمين إلى القتال في هذا النص بـ "الفتنة" وبأن الدين "كلّه" لله هو دليل على أن الغرض من القتال هو قمع الحرية الفكرية أو الدينية لأتباع الديانات الاُخرى والتمييز)

6- وفي سورة الفتح: قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم اولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون (الفتح/ 16)
(ملاحظة: هنا لم يُذكَر عدم العدوان كبديل عن القتال بل الإسلام وحده)

7- وأخيرا قوله في الممتحنة: قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء (الممتحنة/ 4)

ثانيا: نصوص تحلل العبودية وملك اليمين وتبيح السبي

انظر موضوع هل يشمل السبي ذوات الأزواج وهل كان لنبي الاسلام محمد سبايا؟.

ثالثا: نصوص تقطيع الأيدي والأرجل والجلد وإهانة المرأة في الشريعة الإسلامية

1- إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (المائدة 33)

2- وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (المائدة 38)

3- الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (النور 2)

4- وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (النساء 34)

5- وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ (البقرة 282)

 ونصوص كثيرة لا مجال لذكرها هنا

رابعا: رفض النسخ يزيد من التناقضات بين النصوص القرآنية
أكثر من رفض التفسير التقليدي رفض وقوع النسخ في القرآن ليعيد الحياة إلى النصوص المتسامحة فيه والتي يعتبرها التقليديون منسوخة لا يجوز العمل بها وغير صالحة لأي زمان بعد النسخ. المشكلة هنا أن رفض النسخ يزيد من حجم التعارض بين النصوص القرآنية فالتوفيق بين النصوص العدوانية والمتسامحة مهمة محالة دون رفض النصوص العدوانية في القرآن صراحة وهو ما لا يقوم به من يسعى إلى التجديد بل هم غالبا من أشد المدافعين عن النصوص القرآنية.
هل يوجد أساس موضوعي لإعطاء نصوص عامة مطلقة أولوية على نصوص مساوية لها في العموم والإطلاق؟!

خامسا: تأريخ صلاحية النص القرآني المجهولة
قد تعلم الإنسان وضع تأريخ انتهاء الصلاحية على منتجاته.
إذا كانت بعض النصوص القرآنية غير صالحة لهذا الزمان فهل يعجز الإله القادر العادل أن يحفظ كتابه مع فهرس لتأريخ انتهاء صلاحية نصوصه بدلا من ترك الناس يتخبطون في محاولة معرفة صلاحية هذا النص أو ذاك لزمانهم؟

سادسا: إشكالية السياق التأريخي للنصوص القرآنية وانعدام موارد مبكرة للتأريخ الإسلامي
إن كل النصوص التي تدعى بأسباب النزول هي أخبار آحاد ظنية بل ومتناقضة أحيانا بل إن معرفة السورة المكية من المدنية ليس مبنيا هو الآخر على أساس موضوعي وبالتالي فإننا لا نعلم حقيقة التسلسل الزمني للنص القرآني وعلاقته بالأحداث المحيطة به.
كذلك فإن أقدم ما وصلنا في سيرة محمد يعود إلى زمان متأخر كسيرة محمد بن إسحاق التي كتبت على ما يبدو في القرن الثاني الهجري لكن لم تصلنا إلا بعد ذلك عن طريق ابن هشام الذي مات عام 218 هـ وبالتالي فإن السياق التأريخي للنصوص القرآنية وللإسلام عموما مجهول إلى حد كبير.
إذن لا معنى من ادعاء أي فريق أنه يمتلك الحقيقة بشأن "التفسير الصحيح" والسياق التأريخي للنص واتهام صاحب التفسير المغاير بأنه يخرج النص من سياقه التأريخي.

سابعا: إشكالية السياق اللفظي وترتيب النصوص في القرآن
قد يساعد السياق اللفظي للنصوص على معرفة المعنى أحيانا. المشكلة هنا أن القرآن لم يؤلف مرة واحدة بل بالتدريج على مدى سنوات عديدة ولا نعلم حقيقة من الذي قرر ترتيب النصوص بالشكل الذي هو عليه وعلى أي أساس اعتمد في هذا الترتيب. كل النصوص التي تقول أن محمدا هو الذي يعود إليه القول في ذلك متأخرة جدا ولا يمكن الوثوق بها لا سيما ونحن نعلم أن القرآن لم يجمع في عهده. نضيف إلى ذلك أنه باستثناء السور القصار فإن مواضيع النص تتبدل كثيرا في السورة الواحدة بحيث لا يربطها رابط موضوعي كما لا تجد علاقة لها مع إسم السورة.
ويستدل الاصوليون عادة على قولهم بأن ترتيب الآيات توقيفي وكذلك على كثير مما يرونه معلوما من الدين بالضرورة عند غياب النص بالإجماع، لكن الإجماع ليس إلا واحدا من اختراعات الاصوليين أنفسهم ويرفضه الساعون إلى التجديد عادة لأن الإجماع هو أحد أكبر معوقات أي تجديد مهما كان طفيفا.

ثامنا: تعدد احتمالات التفسير يسمح بصحة تفسير الإرهابيين
حتى لو افترضنا جدلا نشأة تفسير مسالم ممكن لهذه النصوص، هل سيدل ذلك على خطأ التفسير التقليدي؟
الجواب هو لا، هذا سيدل فقط على "إمكانية" تفسيرها بشكل مسالم ولا يدل على أنه التفسير الوحيد إذ كثيرا ما يحتمل النص وجهين من التفسير أو أكثر فمعرفة مراد المتكلم قد تكون ظنية مترددة بين احتمالات عدة.
إذا أراد مفكر مسلم الإصلاح الديني فعليه التخلي عن النصوص القرآنية العدوانية على أقل تقدير وليس إعادة تفسيرها وتبريرها.

تاسعا: فشل الرسالة ومسؤولية الإله
لو افترضنا أن كل المفسرين السابقين تقريبا وتاريخ الإسلام وفقهائه لا يمثلون الإسلام وأن رسالة الإسلام لم يفهمها أحد، ألا يدل ذلك على أن الغرض أصلا من إرسال الرسالة قد فشل والأفضل لمن يؤمن بإله أن يبرئه من أي علاقة بها؟
لماذا لم يلجأ الإله المفترض إلى طريقة أفضل لإيصال رسالته لمن خلقهم، ألم يمكن أن يخبر كل فرد مباشرة بما يريد منه دون لبس بدلا من وسطاء في أزمنة اُخرى في أماكن اُخرى؟

عاشرا: ماذا عن الجرائم التأريخية؟
حتى لو افترضنا جدلا أن تفسيرا جديدا مسالما ومقبولا قد نشأ الآن وتبناه المسلمون، ماذا عن الذين اعتقدوا بجهاد الطلب والسبي والحدود وغيرها من الامور العدوانية عبر العصور قبل حل لغز النصوص القرآنية و"اكتشاف" التفاسير الجديدة؟
أليس الإله المفترض مسؤولا عما فعله هؤلاء حين أرسل لهم رسالة وهو يعلم مسبقا أن أكثر ما سيفهمونه منها هو وجوب أو جواز فعل الكثير من الشرور؟

كل هذه الأسئلة بحاجة إلى إجابات صحيحة ممن يتصدى للإصلاح الديني في الإسلام

1 comment(s):

إظهار/إخفاء التعليق(ات)

إرسال تعليق

ملاحظة: يسمح بإعادة النشر بشرط ذكر الرابط المصدر أو إسم الكاتب