محرك البحث اللاديني  المواقع

13‏/11‏/2016

قراءات قرآنية أم تحريف في القرآن: الجزء 1

كنت قد تحدثت بإيجاز في موضوع من اختلافات المصاحف- من كتاب "السبعة في القراءات" عن اختلافات المصاحف وبيّنت بالأمثلة من ذلك الكتاب المعتمد للقراءات السبع عند المسلمين وهو لأبي بكر بن مجاهد أن اختلافهم في القرآن لا يقتصر على أداء القرآن مشافهة في القراءات المختلفة بل يتعداه إلى رسم المصحف أيضا.
وفي هذا الموضوع اُوضح أن القراءات السبع ليست متقاربة من بعضها البعض وأن اختلاف الألفاظ بينها يؤثر في معنى اللفظ بل قد يبدّل اللفظ والمعنى تماما في كثير من الحالات، وسأذكر في هذا الموضوع بأجزائه الثلاثة ثلاثين مثالا على ذلك.
كذلك سأوضح هنا خطأ زعم الاسلاميين بأن اختلاف الألفاظ ومعانيها بين القراءات لا يعني تحريف القرآن بدعوى أن القراءات شيء مغاير للقرآن أو بدعوى عودة القراءات السبع جميعها إلى نبي الإسلام.

مقدمة موجزة في اختيار القراءات السبع وشروط قبول القراءة


قد وقع الاختلاف في ألفاظ القرآن ومعانيها لأسباب عدة من أهمها اختلاف الرواة عن القراء وتباين اختيارات القراء في قراءة المصاحف التي كانت تخلو من التنقيط والتشكيل ومختلفة عن بعضها البعض.

ومن الإسلاميين من يزعم أن المصاحف قد جُرِّدت في عهد عثمان من النقط والشكل حتى تحتمل قراءتُها الأحرف السبعة التي يزعمون أن القرآن نزل بها بينما لم يكن النقط والشكل للخط العربي موجودا آنذاك فهم أنفسهم يقولون أن النقط قد اُضيف ابتداءً على يد أبي الأسود الدؤلي لأجل الضبط ثم تم استخدام النقط لغرض إعجام الحروف وأتى الخليل بن أحمد الفراهيدي بحركات الضمة والفتحة والكسرة واستخدمها للضبط.

أما دعوى اختلاف القراءات للتيسير على القبائل العربية فلا تتفق مع رؤية المسلمين لدينهم بأنه رسالة للبشرية وليس للعرب وحدهم.

التفسير الأفضل هو أن رواية نزول القرآن على سبعة أحرف تم اختلاقها بعد الاختلاف في القرآن كتبرير لذلك الاختلاف ولمنع الصراع بين المسلمين بسببه لكنهم فشلوا في تحديد القراءات بسبع فأصبحت بالعشرات كان الناس يقرأون بها دون تمييز بين القراءات أو جمعها في كتاب حتى قام أبو بكر ابن مجاهد[245- 324 هـ] بجمع سبع قراءات منها تقليدا ومحاكاة للعدد المشهور في رواية "انزل القرآن على سبعة أحرف" وذلك في كتابه "السبعة في القراءات".

ونتيجة لتطابق عدد قراءات ابن مجاهد مع عدد "الأحرف" توهم ويتوهم بعض المسلمين أن القراءات السبع هي ذاتها "الأحرف السبعة" في تلك الرواية، بينما من المعلوم لدى كافة المطلعين أن الأمر ليس كذلك.

يقول ابن تيمية:
"لا نزاع بين العلماء المعتبرين أن "الأحرف السبعة" التي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن القرآن أنزل عليها ليست هي "قراءات القراء السبعة المشهورة" بل أول من جمع قراءات هؤلاء هو الإمام أبو بكر بن مجاهد وكان على رأس المائة الثالثة ببغداد فإنه أحب أن يجمع المشهور من قراءات الحرمين والعراقين والشام".

ويضيف ابن تيمية مبينا اختلاف رأي بعض أئمة القراء مع اختيار ابن مجاهد فيقول:

"ولهذا قال من قال من أئمة القراء : لولا أن ابن مجاهد سبقني إلى حمزة لجعلت مكانه يعقوب الحضرمي إمام جامع البصرة وإمام قراء البصرة في زمانه في رأس المائتين"
http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=22&ID=1416

إن وجود من يرى أن القراءة المروية عن يعقوب الحضرمي أولى أن تدخل ضمن السبعة من القراءة المروية عن حمزة التي عدّت من القراءات السبع هو أحد الأمثلة على اختلاف الرؤية بين الإسلاميين آنذاك للقراءات.

كذلك عدّ أبو بكر ابن مجاهد قراءة ابن عامر في السبعة، وهي قراءة لم يستحسن لها أبو طاهر بن أبي هاشم [349هـ] أن تكون من السبعة فكان يفضل قراءة الأعمش التي صارت تعتبر عند الإسلاميين المتأخرين حتى اليوم من القراءات الشاذة.

ينقل أبو شامة [665هـ] في المرشد الوجيز (ص:164) عن أبي طاهر ما نصه:
"ولولا أن أبا بكر شيخنا جعله [يعني ابن عامر] سابعا لأئمة القراءة، فاقتدينا بفعله؛ لأنه لم يزل موفقا، فاتبعنا أثره، واهتدينا بهديه لما كان إسناد قراءته مرضيا، لكان أبو محمد سليمان بن مهران الأعمش بذلك أولى منه؛ إذ كانت قراءته منقولة عن الأئمة المرضيين، وموافقة للمصحف المأثور باتباع ما فيه، ولكنا لا نعدل عما مضى عليه أئمتنا، ولا نتجاوز ما رسمه أولونا؛ إذ كان ذلك بنا أولى، وكنا إلى التمسك بفعلهم أحرى".

وهنا نلحظ أثر التقليد والرغبة في حصر الاختلاف في القرآن والاتفاق على قراءات محددة في قبول قراءات السبعة الذين اختارهم ابن مجاهد حتى عند مَن لم يكن مقتنعا تماما بصحة ذلك الاختيار.

يقول ابن الجزري في كتابه النشر في القراءات العشر عن تخطئة بعض المسلمين لابن مجاهد في اختياره لهذا العدد من القراءات ومساهمته في التسبب بالخلط السائد عند الجهال بين القراءات السبع التي جمعها وبين ما يدعى بالأحرف السبع:

"غلب على كثير من الجهال أن القراآت الصحيحة هي التي في الشاطبية والتيسير وأنها هي المشار إليها بقوله صلى الله عليه وسلم "أنزل القرآن على سبعة أحرف" حتى أن بعضهم يطلق على ما لم يكن في هذين الكتابين أنه شاذ وكثير منهم يطلق على ما لم يكن عن هؤلاء السبعة شاذا وربما كان كثير مما لم يكن في الشاطبية والتيسير وعن غير هؤلاء السبعة أصح من كثير مما فيهما وإنما أوقع هؤلاء في الشبهة كونهم سمعوا "أنزل القرآن على سبعة أحرف" وسمعوا قراآت السبعة فظنوا أن هذه السبعة هي تلك المشار إليها ولذلك كره كثير من الأئمة المتقدمين اقتصار ابن مجاهد على سبعة من القراء وخطأوه في ذلك وقالوا إلا اقتصر على دون هذا العدد أو زاده أو بين مراده ليخلص من لا يعلم من هذه الشبهة (قال الإمام أبو العباس أحمد ابن عمار المهدوي) فأما اقتصار أهل الأمصار في الأغلب على نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، فذهب إليه بعض المتأخرين اختصارا واختبارا فجعله عامة الناس كالفرض المحتوم حتى إذا سمع ما يخالفها خطأ أو كفَّر وربما كانت أظهر وأشهر ثم اقتصر من قلَّت عنايته على راويين لكل إمام منهم فصار إذا سمع قراءة راو عنه غيرهما أبطلها وربما كانت أشهر ولقد فعل مسبع هؤلاء السبعة ما لا ينبغي له أن يفعله وأشكل على العامة حتى جهلوا ما لم يسعهم جهله وأوهم كل من قلَّ نظره أن هذه هي المذكورة في الخبر النبوي لا غير وأكد وهمَ اللاحق السابقُ، وليته إذ اقتصر نقص عن السبعة أو زاد ليزيل هذه الشبهة (وقال أيضا) القراءة المستعملة التي لا يجوز ردها ما اجتمع فيه الثلاثة الشروط فما جمع ذلك وجب قبوله ولم يسعَ أحدا من المسلمين رده سواء كانت عن أحد الأئمة السبعة المقتصر عليهم في الأغلب أو غيرهم."

ثم يبيّن ابن الجزري كثرة اختلاف القراء في زمن جمع ابن مجاهد للقراءات فينقل عن مكي بن أبي طالب (437 هـ) مؤلف كتاب الإبانة عن معاني القراءات ما يلي:
"قال الإمام أبو محمد مكي : وقد ذكر الناس من الأئمة في كتبهم أكثر من سبعين ممن هو أعلى مرتبة وأجل قدرا من هؤلاء السبعة ، على أنه قد ترك جماعة من العلماء في كتبهم في القراءات ذكر بعض هؤلاء السبعة واطرحهم .
فقد ترك أبو حاتم وغيره ذكر حمزة والكسائي وابن عامر وزاد نحو عشرين رجلا من الأئمة ممن هو فوق هؤلاء السبعة ، وكذلك زاد الطبري في كتاب القراءات له على هؤلاء السبعة نحو خمسة عشر رجلا ، وكذلك فعل أبو عبيد وإسماعيل القاضي ، فكيف يجوز أن يظن ظان أن هؤلاء السبعة المتأخرين قراءة كل واحد منهم أحد الحروف السبعة المنصوص عليها ؟ هذا تخلف عظيم ، أكان ذلك بنص من النبي - صلى الله عليه وسلم - أم كيف ذلك ؟ وكيف يكون ذلك والكسائي إنما ألحق بالسبعة بالأمس في أيام المأمون وغيره وكان السابع يعقوب الحضرمي فأثبت ابن مجاهد في سنة ثلاثمائة أو نحوها الكسائي في موضع يعقوب، ثم أطال الكلام في تقرير ذلك"

والحاصل أن قراءتـَي ابن عامر والكسائي قد دخلتا في السبعة لاختيار ابن مجاهد لهما وتأخرت قراءة يعقوب واحتسبت من العشرة فيما بعد بينما لم يحالف الحظ القراءات الاُخرى فاهملت واندثرت أو لم تجد طريقها إلى القراءات السبع ولا العشر فأصبحت تعتبر من القراءات الشاذة كقراءة الأعمش شيخ حمزة الزيات الذي دخلت قراءته في القراءات السبع.

ولمحاولة حل إشكالية اختيار القراءات المقبولة حاول بعض أئمة القراءات وضع شروط في قبول القراءة، من أشهرها عند المتأخرين تلك "الأركان الثلاثة" التي وضعها ابن الجزري كما في كتابه النشر في القراءات العشر، وهذا نصها:

"كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا و صح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها"

قد يستغرب القارئ من مدى تساهل هذه الشروط لقبول القراءة. "ولو بوجه" وكذلك "ولو احتمالا" تفتح الباب لكثير من النصوص لتكون مقبولة، لكن هذا الاستغراب قد يزول حين يعلم ما يعلمه أئمة القراءات بأن شروطا أصعب كموافقة المصحف تماما أو موافقة وجه مجمع عليه بين النحاة سيُخرج كثيرا من أوجه القراءات السبع ذاتها من دائرة القبول، وذلك لأن في القراءات ما انتقده النحاة كما أن الاختلافات بين المصاحف ومخالفة بعض القراءات للمصاحف تمنع اشتراط موافقة المصحف فأضاف ابن الجزري "ولو احتمالا" ليترك مساحة لاختلاف القراءة مع المصحف.

يعقب ابن الجزري على ذلك قائلا:
(قلت) وقولنا في الضابط ولو بوجه نريد به وجها من وجوه النحو سواء كان أفصح أم فصيحا مجمعا عليه أم مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله إذا كانت القراءة مما شاع وذاع وتلقاه الأئمة بالإسناد الصحيح، إذ هو الأصل الأعظم والركن الأقوم، وهذا هو المختار عند المحققين في ركن موافقة العربية، فكم من قراءة أنكرها بعض أهل النحو أو كثير منهم ولم يعتبر إنكارهم بل أجمع الأئمة المقتدى بهم من السلف على قبولها كإسكان (بارئكم ويأمركم) ونحوه (وسبأ، ويا بني، ومكر السيء، وننجي المؤمنين في الأنبياء) والجمع بين الساكنين في تاآت البزي وإدغام أبي عمرو (واسطاعوا) لحمزة وإسكان (نعما ويهدي) وإشباع الياء في (نرتعي، ويتقي، ويصبر، وأفئيدة من الناس) وضم ( الملائكة اسجدوا) ونصب (كن فيكون) وخفض (والأرحام) ونصب (وليجزي قوما) والفصل ين المضافين في الأنعام وهمز (سأقيها) ووصل (وإن الياس) وألف (إنّ هذان) وتخفيف (ولا تتبعان) وقراءة (ليكة) في الشعراء و ص~وغير ذلك (قال الحافظ أبو عمرو الداني) في كتابه "جامع البيان" بعد ذكر إسكان (بارئكم ويأمركم) لأبي عمرو وحكاية إنكار سيبويه له فقال أعني الداني والإسكان أصح في النقل وأكثر في الأداء وهو الذي اختاره وآخذ به، ثم لما ذكر نصوص رواته قال: وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل والرواية إذا ثبت عنهم لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها.
قلنا : ونعني بموافقة أحد المصاحف ما كان ثابتا في بعضها دون بعض كقراءة ابن عامر ( قالوا اتخذ الله ولدا ) في البقرة بغير واو ، و بالزبر وبالكتاب المنير بزيادة الباء في الاسمين ونحو ذلك ، فإن ذلك ثابت في المصحف الشامي ، وكقراءة ابن كثير جنات تجري من تحتها الأنهار في الموضع الأخير من سورة براءة بزيادة ( من ) ، فإن ذلك ثابت في المصحف المكي ، وكذلك فإن الله هو الغني الحميد. في سورة الحديد بحذف ( هو ) ، وكذا ( سارعوا ) بحذف الواو ، وكذا ( منهما منقلبا ) بالتثنية في الكهف ، إلى غير ذلك من مواضع كثيرة في القرآن اختلفت المصاحف فيها فوردت القراءة عن أئمة تلك الأمصار على موافقة مصحفهم ...... 
( وقولنا ) بعد ذلك ولو احتمالا نعني به ما يوافق الرسم ولو تقديرا ، إذ موافقة الرسم قد تكون تحقيقا وهو الموافقة الصريحة ، وقد تكون تقديرا وهو الموافقة احتمالا ، فإنه قد خولف صريح الرسم في مواضع إجماعا"

من هذا الكلام نستننج الآتي:

- لا يشترط في القرآن أن يكون أفصح من بقية الكلام بل يجوز أن تكون فصاحة بعض نصوصه محل اختلاف
- يتجاهل القراء إنكار أهل النحو أو بعضهم للقراءات القرآنية
- لأن المصاحف مختلفة، لا بد من الاكتفاء بموافقة القراءة لبعضها فلا يمكن أن توافق جميعها وهي ذاتها مختلفة
- القراءة مخالفة لصريح الرسم في مواضع

كذلك لم يشترط ابن الجزري التواتر لمعرفته واعترافه بعدم تواتر القراءات السبع، وهو قول ذهب إليه الكثير غيره منهم أبو شامة والزركشي والشوكاني، وقد تحدثت عن ذلك في مقدمة موضوع القرآن ليس متواترا.

يتبين مما تقدم أنه لا وجود لنص ديني في اختيار القراءات السبع أو سواها كما لا يوجد معيار موضوعي لذلك الاختيار بل يضع أئمة القراءات بعض الشروط حسب رؤيتهم لقبول القراءة.

الرد على الزعم الأول وهو دعوى عودة قراءات سبع محددة على اختلافها إلى نبي الإسلام



أولا: انتقاد المسلمين المتقدمين للقراءات السبع

لم يزعم ابن مجاهد نفسه التواتر للقراءات التي جمعها كما لم ينظر إلى القراءات التي جمعها على أنها فوق النقد كما حصل لاحقا عند المتأخرين من المسلمين بل نجد أن أبا بكر بن مجاهد نفسه يحكم بغلط بعض نصوصها. 
لنأخذ مثالين:
أ) يقول ابن مجاهد عن نص في قراءة ابن عامر:
كن فيكون في سورة البقرة:

واختلفوا في قوله كن فيكون 117 في نصب النون وضمها فقرأ ابن عامر وحده كن فيكون بنصب النون قال أبو بكر وهو غلط
وقرأ الباقون فيكون رفعا

ب) ويقول عن نص في قراءة حمزة:
فَمَا اسْطَاعُوا في سورة الكهف:

قوله فما اسطعوا 97 كلهم قرأ فما اسطعوآ بتخفيف الطاء غير حمزة فإنه قرأ فما اسطعوآ مشددة الطاء يريد فما استطاعوا ثم يدغم التاء فى الطاء وهذا غير جائز لأنه قد جمع بين السين وهى ساكنة والتاء المدغمة وهى ساكنة.

ومن بين المفسرين المتقدمين الناقدين للقراءات ابن جرير الطبري [224-310هـ] الذي يحكم في تفسيره بغلط بعض ما في القراءات السبع والتي يزعم جميع الإسلاميين اليوم تقريبا تواترها عن محمد.

مثال: القراءة الأشهر لسورة الفاتحة محظورة
يختار الطبري "مَلِك يوم الدين" ويخطّئ في تفسيره لسورة الفاتحة قراءة "مالِك يوم الدين" وهي قراءة عاصم والكسائي، بل ويزعم إجماع العلماء على خطئها، فيقول:
"فقراءة : " مالك يوم الدين " محظورة غير جائزة ، لإجماع جميع الحجة من القراء وعلماء الأمة على رفض القراءة بها"

وكثيرا ما يرجح الطبري بين القراءات التي اعتبرت من السبع فيما بعد

بل قد أوصل الإمام أبو القاسم يوسف بن علي الهذلي المغربي (465 هـ) القراءات التي فيها ما هو معتبر عنده إلى خمسين قراءة في كتابه القراءات العشر في كتابه "الكامل في القراءات العشر والأربعين الزائدة عليها" حيث اختار من أربعين قراءة 69 موضعا مغايرا للقراءات السبع جمعها الدكتور نصر سعيد في كتابه الاختيار في القراءات القرانية وموقف الهذلي منه.

كذلك انتقد القراءاتِ القرآنية الكثير من النحاة كما ذكرنا آنفا

لنأخذ بعض الأمثلة على ذلك:

مثال أ
كذَّب أصحابُ الأيكة المرسلين، من سورة الشعراء
قرأها نافع، وابن كثير، وابن عامر: "لَيْكَةَ" بغير لام التعريف، وممنوعة من الصرف. وقرأها باقي السبعة بلام التعريف
فنجد أن المبرد وابن قتيبة والزَّجّاج وأبو علي الفارسي يردون قراءة نافع وابن كثير وابن عامر
وتبعهم المفسر الزمخشري على ذلك

مثال ب
ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيَّ، من سورة إبراهيم
قرأها حمزة، ويحيى بن وثّاب، والأعمش، وحُمْران بن أعيّنَ، وجماعة من التابعين "بمصرخيِّ" بكسر الياء.
قال الزّجّاج: "هذه القراءة عند جميع النحويين رديئة مرذولة، ولا وجه لها إلاَّ وجه ضعيف"

مثال ج
واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، من سورة النساء
قُرِئَ بلفظ "الأرحام" في السبعة بالنصب والجر، قرأها حمزة بالجر، وباقي السبعة بالنصب.
ردها وضعفها جمهور نحاة البصرة وتبعهم على ذلك جماعة من المفسرين، كالزمخشري، وابن عطية؛ وعللوا ذلك بأنها لا تتمشّى مع القاعدة النحوية "عدم جواز العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة حرف الجر"

http://www.fikr.com/?Prog=article&Page=details&linkid=2625


http://www.iugaza.edu.ps/ar/periodical/articles/%D8%AF.%20%D8%A3%D9%83%D8%B1%D9%85%20%D8%AD%D9%85%D8%AF%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%A7%D8%A6%D9%8A.pdf

ولا يسع المجال هنا لذكر أسماء المسلمين المتقدمين الذين نقدوا القراءات السبع من نحويين ومفسرين وغيرهم أو القراءات والنصوص التي نقدوها لذا احيلكم إلى موضوع "انتقاد القراءات القرءانية" على الرابط
http://www.ladeenyon.net/forum/viewtopic.php?f=11&t=35323



ثانيا: اختلاف الرواية عن القارئ الواحد

مـِن تتبُّع الروايات على القراءات يظهر اختلاف الرواة في النقل عن نفس القارئ اختلافا قد يغير المعنى أحيانا مما يدل على أن كثيرا من الاختلافات بين القراءات تعود إلى الاختلاف في النقل عن القارئ أو أنه ليس للقراء قراءة واحدة منضبطة، وهذه سبعة أمثلة للاختلاف في الرواية عن عاصم كلها مؤثرة في المعنى:

1)
مثال أول: البقرة 259
(كلمة مختلفة للاختلاف في التنقيط)
نـُنشِرها – نـُنشِزها
(ننشرها) باتفاق حفص وشعبة في النقل عن عاصم، أم (ننشزها) كما هي رواية أبان بن تغلب عن عاصم أيضا؟
يروي حفص عن عاصم وكذلك شعبة عن عاصم في سورة البقرة (وانظر إلى العظام كيف "ننشرها") بينما يروي أبان بن تغلب عن عاصم بدل كلمة ننشرها "ننشزها"!
يقول ابن مجاهد:
واختلفوا في الراء والزاي من قوله كيف ننشزها 259
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ننشرها بضم النون الأولى وبالراء
وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ننشزها بالزاي
وقد روى أبان عن عاصم كيف ننشرها بفتح النون الأولى وضم الشين والراء
وروى أيضا عبد الوهاب عن أبان عن عاصم كيف ننشرها بفتح النون وضم الشين مثل قراءة الحسن

2)
مثال ثان: المؤمنون 14
(الاختلاف في الإفراد والجمع لكلمة "عظم" في موضعَين)
فخلقنا المضغة عِظاما فكسونا العِظام لحما – فخلقنا المضغة عَظما فكسونا العَظم لحما
"عظما"، كما رواها حفص عن عاصم وبكار عن أبان عن عاصم أم "عظاما" كما رواها أبو بكر عن عاصم نفسه؟
الاختلاف في سورة (المؤمنون) في النص الذي يزعم فيه البعض اعجازا علميا "فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما".
قال ابن مجاهد:
واختلفوا فى الجمع والتوحيد فى قوله فخلقنا المضغة عظما فكسونا العظم لحما 14
فقرأ ابن عامر وعاصم فى رواية أبى بكر فخلقنا المضغة عظما فكسونا العظم واحدا ليس قبل الميم ألف
وقرأ الباقون ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائى وحفص عن عاصم وبكار عن أبان عن عاصم عظما فكسونا العظم بالألف جميعا

3)
مثال ثالث- الأعراف 38
(اختلاف فعل "علم" بين صيغتـَي المخاطـَب والغائب)
ولكن لا تعلمون – ولكن لا يَعلمون
واختلفوا فى التاء والياء من قوله ولكن لا تعلمون
فقرأ عاصم وحده فى رواية أبى بكر لكل ضعف ولكن لا يعلمون بالياء
وروى حفص عن عاصم بالتاء وكذلك قرأ الباقون بالتاء

4)
مثال رابع – الكهف 86
(كلمة مختلفة تماما للاختلاف في وجود ألف قبل الميم أو عدمه وفي الهمز أو تركه)
عين حمئة [أي من الحمأ، من الطين] – عين حامية [أي حارة
واختلفوا فى قوله فى عين حمئة 86
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو حمئة وكذلك عاصم فى رواية حفص حمئة مهموزة بغير ألف
وقرأ عاصم فى رواية أبى بكر وابن عامر وحمزة والكسائى حمية بألف غير مهموزة

5)
مثال خامس – الروم 22
(كلمة مختلفة تماما)
للعالـِمين [جمع عالِم - من العِلم]- للعالـَمين
قوله لأيت للعلمين 22
قرأ حفص عن عاصم للعلمين بكسر اللام جمع عالِم
وقرأ الباقون للعلمين بنصب اللام

6)
مثال سادس: طه 71
(الاختلاف في الاستفهام أو الخبر)
ءَأامنتم له؟ - ءَامنتم له
قوله ءامنتم له 71
وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ءامنتم على لفظ الخبر
وقرأ أبو عمرو ونافع وابن عامر ءاامنتم بهمزة ممدودة استفهام
وقرأ حمزة والكسائى وأبو بكر عن عاصم ءآمنتم بهمزتين الثانية ممدودة والأولى للاستفهام
وورش عن نافع ءامنتم على لفظ الخبر

7)
مثال سابع: المدثر 33
اختلاف في موضع الحرف "ا" بين كلمتين وفي همزها أو ترك الهمز وفي فتح الدال أو سكونها مما يؤدي لاختلاف الكلمتين
والليلٍ إذ أدْبر – والليلٍ إذا دَبر
- قوله والليل إذ أدبر 33
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والكسائى وأبو بكر عن عاصم إذا دبر بفتح الدال
وقرأ نافع وحفص عن عاصم وحمزة إذ أدبر بتسكين الدال


إذن قراءة عاصم نفسها (أحد القراء السبعة) مختلف فيها حيث لم تحفظ جيدا أو أنه هو نفسه لم يكن يثبت على قراءة واحدة، وكذلك اختلافات الرواة عن كثير من القراء الباقين وستأتي بعض أمثلتها في نهاية الموضوع.

نفهم من هذا أن من أسباب الإختلاف في القراءة ما استجد من اختلاف بعد زمن القراء السبع نتيجة اختلاف الروايات عنهم أو اختلاف القارئ الواحد في قراءته.


ثالثا: دور التكفير والإرهاب في تقليل حجم الاختلاف في القراءات وشروطها

كان التكفير والإرهاب من ضمن العوامل التي أدت إلى تحديد حجم الاختلاف في القراءات وشروط القراءة المعتبرة التبعات المؤلمة لمن خالف شروط القراء الذين استمالوا الحكام وغيرهم

قال ابن الجزري في الطبقات بشأن بن مقسم:

"يقول الجزري في الطبقات بشأن بن مقسم:
ويذكر عنه أنه كان يقول أن كل قراءة وافقت المصحف ووجهاً في العربية فالقراءة بها جائزة وإن لم يكن لها سند وأنه عقد له مجلس ووقف للضرب فتاب ورجع وهذا غير ما كان بنحوه ابن شنبوذ فإنه كان يعتمد على السند وإن خالف المصحف وهذا يعتمد على المصحف وإن خالف النقل واتفقا على موافقة العربية، قال أبو طاهر بن عمر في كتابه البيان وقد نبغ نابغ في عصرنا فزعم إن كل من صح عنده وجه في العربية بحرف من القرآن يوافق المصحف فقراءته جائزة في الصلاة وغيرها فابتدع بدعة ضل بها عن قصد السبيل ثم ذكر ما اتفق له، قلت وظن الإمام أبو شامة بعد نقله هذا عن أبي طاهر في كتابه المرشد أنه ابن شنبوذ، قال الحافظ أبو بكر الخطيب لابن مقسم كتاب جليل في التفسير ومعاني القرآن سماه الأنوار وله تصانيف عدة ومما طعن عليه أنه عمد إلى حروف من القرآن فخالف فيها الإجماع فقرأها وأقرأها على وجوه ذكر أنها تجوز في اللغة العربية وشاع ذلك عنه فأنكر عليه فارتفع الأمر إلى السلطان فأحضره واستتابه بحضرة الفقهاء فأذعن بالتوبة وكتب محضر توبته"

وقال ابن الجزري:
وقد عقد له بسبب ذلك مجلس ببغداد حضره الفقهاء والقراء وأجمعوا على منعه ، وأوقف للضرب فتاب ورجع وكتب عليه بذلك محضر كما ذكره الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد ، وأشرنا إليه في الطبقات ، ومن ثم امتنعت القراءة بالقياس المطلق"

قد كان للخوف من التعذيب أو القتل أثره فقد حث ابن مجاهد الوزير ابن مقلة إلى تعذيب ابن مقسم لأنه كان لا يرى أهمية السند بل كل قراءة وافقت المصحف ووجها في العربية فهي مقبولة. كذلك عذب ابن شنبوذ لرأيه جواز مخالفة المصحف اكتفاءً بالاعتماد على السند وموافقة العربية. (طبقات القراء 2/54 و1/124 أو 2/124 نقلا عن عبد الفتاح شلبي، رسم المصحف العثماني وأوهام المستشرقين في قراءات القرآن 37 و 66)

وغريب حقا أن يرى شلبي في هاتين الواقعتين دليلا على أن القراءة "سنة متبعة ... رويت مسندة إلى الصحابة تلقيا عن رسول الله وأجمعوا عليها كذلك" وليس أن منهج اعتماد القراءة الذي ساد عند المتأخرين قد فرض بالوعيد والتعذيب كأكثر معتقدات المسلمين.

وقد تم استخدام الإجماع كتبرير لتعيين خط المصحف أو القراءات المعتبرة رغم أن حجية الإجماع مسألة عقائدية بينما التفريق بين القرآن وغيره هو تفريق بين الكلام الإلهي بزعمهم والذي جاء به محمد وبين الكلام الأرضي، وهذا بحاجة لديل عقلي وتأريخي فلا مانع عقلا أن يجتمع المسلمون المتأخرون على كتاب أو كتب تخالف كتاب مؤسسي الديانة الأوائل.

إن للتكفير وحكم المرتد دور لا يمكن تجاهله في إجماع المتأخرين من المسلمين على قبول بعض القراءات ورفض اُخرى كما هو الحال مع تكفير رافض أي زعم آخر يدعي الفقهاء والمتكلمون أنه "معلوم من الدين بالضرورة"، فيكاد المسلمون المتأخرون يجمعون على تكفير منكر إحدى القراءات السبع فضلا عن تكفير من خالف رسم المصاحف أو ترك الاعتماد على الرواية. إن اجتماع المسلمين على قراءات معينة بعد أن اعتبروا كل من لا يؤمن بها غير مسلم هو تحصيل حاصل بالنسبة لهم.

رابعا: اعترافات كثير من الأئمة بعدم تواتر القراءات وغياب الدليل على التواتر

من المعروف أن البينة على من ادعى والأسانيد التي يذكرها من يدعي التواتر لا تنفع في إثباته، كما أن ابن مجاهد نفسه لم يدع ذلك، ويذكر في كتابه رواية تخالف زعم التواتر للقراءات التي جمعها.

يروي ابن مجاهد ما يدل على عدم اشتراط نافع -أحد أئمة القراءات السبع- لعدد كبير من الرواة للقراءة فيحدّث ابن مجاهد بسنده إلى أن نافع أنه قد ألـّف قرائته مما اجتمع عليه شيخان من شيوخه، يكتب ابن مجاهد
حدثني محمد بن الفرج قال حدثنا محمد بن إسحق المسيبي عن أبيه عن نافع أنه قال أدركت هؤلاء الأئمة الخمسة وغيرهم ممن سمى فلم يحفظ أبي أسماءهم.
قال نافع فنظرت إلى ما اجتمع عليه اثنان منهم فأخذته وما شذ فيه واحد فتركته حتى ألفت هذه القراءة في هذه الحروف.

وقد اعترف كثير من أئمة المسلمين بعدم تواتر أسانيد القراءات، اقرأ اعترافات بعضهم بذلك كابن الجزري وأبي شامة والزركشي والشوكاني في موضوع القرآن ليس متواترا.

نستكمل الموضوع ونرد على زعم آخر ومحاولة اُخرى لعلاج الإشكال القرآني في الجزء الثاني من الموضوع

2 comment(s):

إظهار/إخفاء التعليق(ات)

إرسال تعليق

ملاحظة: يسمح بإعادة النشر بشرط ذكر الرابط المصدر أو إسم الكاتب