محرك البحث اللاديني  المواقع

12‏/08‏/2012

التبرير الفقهي للتظاهر بالتسامح والقبول بالسّلم عند بعض الإسلاميين

يتفق جميع الإسلاميين على اختلاف وسائلهم على وجوب جعل القرآن والأحاديث الصحيحة عندهم المصدر الرئيسي للتشريع، ويدّعون أنهم يؤمنون بأن النصوص القرآنية صالحة لكل زمان ومكان رغم اعتمادهم للنسخ الذي يقتضي إزالة أو رفع حكم نصوص قرآنية، أي إنه لا يصح العمل عندهم بالنصوص القرآنية المنسوخة أو ببعضها مطلقا.
ومن المعلوم عدم قبول الإسلاميين بالديمقراطية التي تستند إلى أن الحاكمية للشعب وليست للإله وتقتضي قبول خيار الشعب حتى حين يكون مخالفا لما يعتبرونه حكم الله، أي حتى حين يكون مخالفا لحكم النصوص القرآنية والحديثية التي يعتمدون حكمها ويضيف كلهم تقريبا القياس والإجماع الذَين اخترعهما الاصوليون وزعموا لهما أدلة من القرآن والسنة، لكن ما هو التبرير الفقهي لبعض الإسلاميين المتظاهرين بالإعتدال لقبول تأجيل قتال الناس وفرض الحكم بنصوصهم الدينية بالقوة، واللجوء مؤقتا إلى الوسائل السلمية كالإنتخابات؟
هذا هو السؤال الذي نريد المساهمة في الإجابة عليه في هذا الموضوع.

إن جمهور فقهاء المسلمين يرون العمل بالنصوص المنسوخة باطل تماما، وأن النص اللاحق يبطل العمل للأبد بالنص السابق، وأن نصوص القتال قد نسخت نصوص البر والقسط وعدم العدوان، لذلك لا تفتقر الدول الإسلامية إلى الذين يحملون السلاح ويريدون تطبيق الشريعة مرة واحدة بالعنف والإرهاب كما هو حال التنظيمات الجهادية المختلفة.
لكن من جهة اخرى، هنالك من الإسلاميين من لا يرى أن بطلان العمل يشمل كل النصوص المنسوخة بل بعضها فقط، فهم يرون أن من أصناف النصوص المنسوخة ما نسخ حكمه لسبب يتعلق بالقدرة أو الإستطاعة فإن غابت القدرة على العمل بالنص الناسخ جاز العمل عندهم مؤقتا بذلك الصنف من النصوص المنسوخة تحديدا، ويضيف بعضهم وجود مصلحة كمبرر شرعي للعمل بذلك الصنف من النصوص المنسوخة، وهكذا يرون جواز العمل بنصوص البر والقسط وعدم العدوان بل حتى نصوص العفو والصفح عمن ظلم المسلمين وقت ضعف محمد وتأجيل القتال وفرض الشريعة بالقوة على الناس، لذا هم يتظاهرون بالقبول بالوسائل السلمية في بعض الحالات مؤقتا كما نرى من القبول الظاهري بالإحتكام إلى صناديق الإقتراع لدى بعض الإسلاميين المعاصرين في حالة توقع فوزهم.
هؤلاء يرون عدم القتال في وقت ضعفهم والعمل مؤقتا بنصوص السِّلم حتى تقوى شوكتهم فيعلنون عندها القتال ليقيموا الحدود ويفرضوا على غير المسلمين دفع الجزية وهم صاغرون (أي أذلاء محتقرون) ويقتلوا ويسبوا نساء من يرفض دفع الجزية وهو صاغر أو الدخول في الإسلام.

يقول القرطبي في تفسير "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها" (الأنفال/ 61):
"قد اختلف في هذه الآية ، هل هي منسوخة أم لا . فقال قتادة وعكرمة : نسخها فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم . وقاتلوا المشركين كافة وقالا : نسخت " براءة " كل موادعة ، حتى يقولوا لا إله إلا الله . ابن عباس : الناسخ لها فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم [وأنتم الأعلون (محمد /35)]. وقيل : ليست بمنسوخة ، بل أراد قبول الجزية من أهل الجزية."

ويقول ابن عربي في أحكام القرآن في تفسيره للنصين في الأنفال ومحمد أعلاه:
"فإذا كان المسلمون على عزة ، وفي قوة ومنعة ، ومقانب عديدة ، وعدة شديدة : فلا صلح حتى تطعن الخيل بالقنا ، وتضرب بالبيض الرقاق الجماجم ، وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح لانتفاع يجلب به ، أو ضر يندفع بسببه فلا بأس أن يبتدئ المسلمون به إذا احتاجوا إليه ، وأن يجيبوا إذا دعوا إليه."

ومن المعاصرين المؤيدين للعمل بآيات السلم لمن لا يملك القدرة على القتال في وقت أو مكان ما أو حتى عند وجود مصلحة بعدم اللجوء إلى القتال، ياسر برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية في مصر والتي حصل أتباعها في الإنتخابات الأخيرة على حوالي ربع مقاعد مجلس الشعب المصري المنحل، حيث يذكر في محاضرة أنه ممن يذهب إلى عدم القتال في حالة عدم الإستطاعة كما ذهب إلى ذلك ابن تيمية والزركشي كما أيد ذلك ابن كثير في تفسيره، وذلك موجود في شريط صوتي له بعنوان "فقه الجهاد في سبيل الله – هل مراحل الجهاد منسوخة؟" منشور في موقع "صوت السلف" الذي يشرف عليه وكذلك موقع طريق الإسلام، حيث يؤكد فيها دعمه لهذا القول.

أدناه مقتطفات من بعض ما ذكره برهامي في المحاضرة التي ألقاها والمنشورة في موقع صوت السلف وموقع طريق الإسلام:

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول ص221:
"فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الذين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوه الجزية عن يد وهم صاغرون.
قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا)(الأنفال:61)، وقال ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء والخراساني وعكرمة والحسن وقتادة أن الآية منسوخة بآية السيف في براءة (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ)(التوبة:29)، وفيه نظر، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك فأما إذا كان العدو كثيفاً فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية الكريمة وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص، والله أعلم.."
ويضيف:
"قال الزركشي -رحمه الله-: "قسم بعضهم النسخ من وجه آخر إلى ثلاثة أضرب... الثالث: ما أمر به لسبب ثم يزول السبب: كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والمغفرة للذين لا يرجون لقاء الله، ونحوه مِن عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، ونحوها، ثم نسَخَهُ إيجاب ذلك، وهذا ليس بنسخ في الحقيقة، وإنما هو نسء كما قال -تعالى-: (أَوْ نُنسِهَا) (البقرة:106)، فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفى حالة الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، وبهذا التحقيق تَبيَّن ضعف ما لهج به كثير مِن المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف وليست كذلك، بل هي من المُنسأ، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر" (البرهان:2/42)."

ويخلص برهامي إلى التالي:
"والحقيقة أن الخلاف بين الفريقين خلاف لفظي لا حقيقة له، إذ مصطلح النسخ عند السلف يشمل التقييد والتخصيص، وبيان الإجمال، كما بيَّن ذلك شيخ الإسلام "ابن تيمية" في "الإكليل"، فالجميع متفق على أنه لا يكلف المستضعف -"الذي يشبه حاله حال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والمسلمين بمكة"- ما لا طاقة له به مِن القتال، وقد سبق الزركشي غيره مِن أهل العلم بذلك." ..... ثم يقول:
"حتى لو قلنا الصبر والصفح والعفو منسوخ والقتال واجب فهو واجب في حق القادر عليه والعاجز عنه لا يوصف في حقه بوجوب"

قلت:
قد وضحت تناقض النصوص القرآنية في مسألة القتال وعدم إمكان الجمع بينها في النقطة السادسة من موضوع من إشكاليات البداء والنسخ والقتال في القرآن، لكن لسان حال هؤلاء يقول إن نبيهم كان يأمر بالبرّ والقسط مع غير المسلمين ما لم يعادوا المسلمين ليس حبا منه في العدل والقسط والخير بل كان يتظاهر بذلك لضعفه ثم ظهر على حقيقته حين أصبح قويا فبدأ يدعوا عندئذ إلى قتال الناس جميعا حتى يدفعوا الجزية وهم صاغرون أو يدخلوا الإسلام، وإلا فإن حكمهم القتل!
أي إن اشتراط بعض النصوص القرآنية القتال بالدفاع عن النفس (بأنهم ظـُلِموا.... اخرجوا من ديارهم بغير حق) (الحج/ 39-40) وأن الله لا ينهاهم "عن الذين لم يقاتلوهم في الدين" ولم يخرجوهم من ديارهم أن يبروهم ويقسطوا إليهم معللا ذلك بأنه يحب المقسطين (الممتحنة /8) قد تم إلغائه في حالة القوة وما داموا أقوياء، فإذا عادوا ضعفاء عادوا للتظاهر بأنهم لا يقاتلون أو أنهم لا يقاتلون إلا دفاعا عن النفس لأنهم ظـُلِموا حتى تحين الفرصة للعودة إلى قتال الناس.
هذه هي طريقتهم في محاولة التوفيق بين النصوص المتعارضة في القرآن فيما يتعلق بالبر والقسط والصبر من جهة وقتال الناس من جهة ثانية.

وتجدر الإشارة إلى أن حديث "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" الذي يستدل به بعضهم للتعامل مع من يدعونهم "أهل الذمة" هو حديث باطل لا أصل له كما قال الألباني في السلسلة الضعيفة والموضوعة،كما أن حديث "من آذى ذميا فأنا خصمه يوم القيامة" أو "... فقد آذاني" ضعيف، وقد يكون ذكر مثل هذه الأحاديث مجرد شعارات مرحلية أيضا حتى يعملوا بالنصوص الناسخة التي ذكرناها.
ومتون هذه الأحاديث تخالف أحاديث صحيحة السند عندهم تؤكد التفرقة بين المسلم والكافر مثل حديث "لا يقتل المسلم بالكافر" أو تأمر بإيذاء غير المسلمين كحديث "لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام فإذا رأيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه" مما يبين أن تلك الأحاديث شاذة أو منكرة، كما أن القرآن قد أمر في سورة التوبة بقتال "الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (التوبة/29)"، وكلنا نعلم أن القتال أو فرض الصَّغار وكذلك التفرقة بين دم المسلم وغيره واضطرار أهل الكتاب إلى أضيق الطريق من أبلغ ما يكون من الأذى والظلم والإنتقاص مما يناقض حديث "من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا خصمه يوم القيامة".
ولا تستغربوا إن وجدتم من رأى صحة أو حسن سند هذا الحديث الأخير يحاول التوفيق بينه وبين النصوص الحديثية والقرآنية الاُخرى فيأتي بكلام متناقض فيحاول الجمع بين منع الظلم وبين التفريق بين دم المسلم وغيره، أو بين وجوب الصَّغار على غير المسلمين واضطرارهم إلى أضيق الطريق من جهة وبين عدم جواز انتقاصهم من جهة ثانية!

ولكل من يقتبس لكم من الإسلاميين المتظاهرين بالتسامح والإعتدال هذا الحديث الأخير، اسألوهم الأسئلة التالية:
أليس أخذ الجزية من غير المسلمين كشرط لوقف قتالهم هو أخذ شيء منهم بغير طيب نفس؟
وأيضا أليس فرض الصَّغار وتضييق الطرقات عليهم انتقاصا وظلما؟
أليست التفرقة بين دم المسلم وغيره بأن يقتل الكافر بالمسلم بينما لا يقتل المسلم بالكافر كذلك انتقاصا وظلما؟

لا تستغربوا إن كان الجواب عن الأسئلة السابقة بـ(لا)، فكل همهم التوفيق بين الأحاديث المتعارضة الثابتة عندهم أو قد تكون غير ثابتة عندهم أصلا ويروونها لمجرد التظاهر بالتسامح فإن جمهور أهل السنة يهتمون بجودة سند الحديث فقط لأحاديث الأحكام ويجوّزون رواية الروايات الضعيفة فيما سوى الأحكام كالسيرة والوعظ. قال أحمد بن حنبل "إذا روينا عن النبي (ص) في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد، وإذا روينا عنه في فضائل الأعمال وما لا يضع حكمًا ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد"، فالإسلام الذي يريد الإسلاميون وضع القوانين بموجبه شيء والروايات التي يستخدمها بعضهم للدعاية للإسلام شيء آخر فيجب التنبه لذلك ومراجعة سند الأحاديث والرويات التأريخية الجميلة التي تستخدم للدعاية للإسلام من قِـبَل الدعاة والسياسيين الإسلاميين الذين يتمادى كثير منهم في التبجح بروايات موضوعة لا أصل لها لخدمة غرضهم في تجميل الإسلام أو التأريخ الإسلامي أو الحكم بنصوص القرآن والحديث.
ومن أمثلة محاولات التجميل تلك وكما أشرت سابقا إلى أن القول المروي عن عمر (مذ كم استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا) لا أصل له وهو مخالف لاتفاق فقهاء المسلمين في استعباد ابن الأمة لغير سيدها، و قول (عدلت فأمنت فنمت) في وصف عمر لا إسناد له، و قصة محمد مع اليهودي الذي كان يؤذيه فمرض فعاده محمد، لا أصل لها.. وغيرها الكثير..

نفهم من كل ما تقدم في الموضوع أن الوسائل السلمية لتطبيق الشريعة تدريجيا جائزة عند بعض الإسلاميين فقط عند عدم إمكانية فرضها كاملة ومباشرة بالقوة، لذا الواجب عدم الثقة بالإسلاميين مطلقا، فهدفهم واحد وهو فرض الشريعة الإسلامية كاملة ومنها إقامة الحدود وأخذ الجزية من غير المسلمين وهم صاغرون، وقتلهم إن رفضوا دفعها، فهم لا يرون أن ذلك ظلما لتعاميهم عن ذلك باتباع النصوص، وكل ما يرفعونه ويروونه سوى ذلك هو إما أحاديث ورويات ضعيفة لا يؤمنون بها أصلا أو لها ما يناقضها مما هو أصح منها عندهم وتستخدم تلك الروايات كشعارات في محاولة لتجميل إسلامهم في أعين الناس إلى أن يأتي اليوم الذي يستطيعون فيه فرض كل ما يريدون من قتل وجلد ورجم وإذلال للآخرين أو إبادتهم وسبي نسائهم.

هوامش
موقع صوت السلف - حول تعليق "د. ياسر" في مسألة الجزية – رد ياسر برهامي
موقع طريق الإسلام- فقه الجهاد في سبيل الله - هل مراحل الجهاد منسوخة ؟، ياسر برهامي
ملتقى أهل الحديث – لهم ما لنا وعليهم ما علينا
صيد الفوائد - بحث في تخريج حديث : " مــن آذى ذمــيــا ... "
ملتقى أهل الحديث - أقوال العلماء في حديث (( من آذى ذمياً فقد آذاني ))
منتدى شبكة سحاب السلفية- قصص مشهورة لا تثبت عن عمر بن الخطاب _ رضي الله عنه
موقع الدرر الحديثية

12 comment(s):

إظهار/إخفاء التعليق(ات)

إرسال تعليق

ملاحظة: يسمح بإعادة النشر بشرط ذكر الرابط المصدر أو إسم الكاتب